درس کفایه الاصول - جلد اول

جلسه ۶۰: اوامر ۷

 

الفصل الثاني
في ما يتعلّق بصيغة الأمر

وفيه مباحث:

الأوّل

معنى صيغة الأمر

أنّه ربما يذكر للصيغة معانٍ قد استعملت فيها، وقد عُدَّ منها: الترجّي، والتمنّي، والتهديد، والإنذار، والإهانة، والإحتقار، والتعجيز، والتسخير... إلى غير ذلك. وهذا كما ترى ؛ ضرورةَ أنّ الصيغة ما استعملت في واحدٍ منها، بل لم تستعمل إلّا في إنشاء الطلب (١)، إلّا أنّ الداعي إلى ذلك كما يكون تارةً هو البعث والتحريك نحو المطلوب الواقعيّ، يكون أُخرى أحد هذه الامور، كما لا يخفى.

قصارى ما يمكن أن يُدَّعى أن تكون الصيغة موضوعةً لإنشاء الطلب في ما إذا كان بداعي البعث والتحريك، لا بداعٍ آخر منها، فيكون إنشاء الطلب بها بعثاً حقيقةً، وإنشاؤه بها تهديداً مجازاً. وهذا غير كونها مستعملةً في التهديد وغيره، فلا تغفل.

الكلام في سائرالصيغ الإنشائيّة

إيقاظ:

لا يخفى: أنّ ما ذكرناه في صيغة الأمر جارٍ في سائر الصيغ الإنشائيّة،

__________________

(١) ظاهره كون المستعمل فيه هو الإنشاء، ولا يخفى أنه من مقوّمات الاستعمال عنده، كما نفى البُعد عنه في أول الكتاب. والظاهر أنّها مسامحة، ومراده كون المستعمل فيه هو الطلب الإنشائي. ومنه تظهر المسامحة في عبارته الآتية أيضاً. ( كفاية الأُصول مع حاشية المشكيني ١: ٣٤٣ ). وراجع منتهى الدراية ١: ٤٣٤.

فكما يكون الداعي إلى إنشاء التمنّي أو الترجّي أو الاستفهام بصيغها تارةً هو ثبوت هذه الصفات حقيقةً، يكون الداعي غيرَها أُخرى.

توهّم انسلاخ صيغ الإنشاء عن معانيها إذا وقعت في كلامه تعالى والجواب عنه

فلا وجه للالتزام بانسلاخ صِيغها عنها واستعمالها في غيرها، إذا وقعت في كلامه تعالى (١) - لاستحالة مثل هذه المعاني في حقّه تبارك وتعالى، ممّا لازمه العجز أو الجهل -، وأنّه لا وجه له (٢) ؛ فإنّ المستحيل إنّما هو الحقيقيّ منها، لا الإنشائيّ الإيقاعيّ الّذي يكون بمجرّد قصد حصوله بالصيغة، كما عرفت.

ففي كلامه - تعالى - قد استعملت في معانيها الإيقاعيّة الإنشائيّة أيضاً، لا لإظهار ثبوتها حقيقةً، بل لأمرٍ آخر - حَسَب ما تقتضيه الحال - من إظهار المحبّة أو الإنكار أو التقرير... إلى غير ذلك.

ومنه ظهر: أنّ ما ذُكر من المعاني الكثيرة لصيغة الاستفهام ليس كما ينبغي أيضاً.

المبحث الثاني

صيغة الأمرحقيقة في الوجوب

في أنّ الصيغة حقيقةٌ في الوجوب، أو في الندب، أو فيهما، أو في المشترك بينهما ؟ وجوهٌ، بل أقوال.

لا يبعد تبادر الوجوب عند استعمالها بلا قرينة.

__________________

(١) تعريض بما أفاده الشيخ الأعظم الأنصاري في مقام الاستدلال على حجية خبر الواحد بآية النفر، حيث قال: « إنّ لفظة ( لعلّ ) بعد انسلاخها عن معنى الترجّي ظاهرة في كون مدخولها محبوباً للمتكلم ». ( فرائد الأُصول ١: ٢٧٧ ). راجع أيضاً حاشية المصنّف على فرائد الأُصول: ٦٧.

(٢) تأكيد لقوله: « فلا وجه للالتزام... ». ( حقائق الأُصول ١: ١٥٨ ).

ويؤيّده: عدم صحّة الاعتذار عن المخالفة باحتمال إرادة الندب، مع الاعتراف بعدم دلالته (١) عليه بحالٍ أو مقالٍ.

المناقشة في ما أفاده صاحب المعالم في المقام

وكثرة الاستعمال فيه في الكتاب والسنّة وغيرهما لا توجب نقْلَهُ إليه، أو حمْلَهُ عليه (٢) ؛ لكثرة استعماله في الوجوب أيضاً، مع أنّ الاستعمال وإن كثر فيه إلّا أنّه كان مع القرينة المصحوبة، وكثرةُ الاستعمال كذلك في المعنى المجازيّ لا توجب صيرورتَه مشهوراً فيه، ليرجَّح أو يُتوقّف - على الخلاف في المجاز المشهور -. كيف ؟ وقد كثُر استعمال العامّ في الخاصّ حتّى قيل: ما من عامّ إلّا وقد خصّ، ولم ينثلم به ظهورُه في العموم، بل يحمل عليه ما لم تقم قرينة بالخصوص على إرادة الخصوص.

المبحث الثالث (٣)

مفاد الجمل الخبريّة المستعملة في مقام الطلب

هل الجمل الخبريّة الّتي تستعمل في مقام الطلب والبعث - مثل « يغتسل » و « يتوضّأ » و « يعيد » - ظاهرةٌ في الوجوب، أو لا ؟ ؛ لتعدّد المجازات فيها، وليس الوجوب بأقواها، بعدَ تعذُّرِ حملها على معناها من الإخبار بثبوت النسبة، والحكاية عن وقوعها:

ظهور هذه الجمل في الوجوب

الظاهر: الأوّل، بل تكون أظهر من الصيغة.

ولكنّه لا يخفى: أنّه ليست الجمل الخبريّة الواقعة في ذلك المقام - أي

__________________

(١) أي: دلالة الصيغة، فالأولى: تأنيث الضمير. ( منتهى الدراية ١: ٤٤١ ).

(٢) هذا تعريض بصاحب المعالم، القائل بكون الصيغة حقيقة في الوجوب لغةً وعرفاً، مع توقّفه في ظهور الأوامر الواردة في الكتاب والسنة في الوجوب ؛ لكثرة استعمال الصيغة فيهما في الندب، لكنّه لم يدّع نقل الصيغة إلى الندب أو حملها عليه. راجع المعالم: ٤٨.

(٣) الأولى: تأخير هذا المبحث عن المبحث الرابع. ( كفاية الأُصول مع حاشية القوچاني: ٥٩ ).