درس کفایه الاصول - جلد اول

جلسه ۶۵: اوامر ۱۲

 

بالوجوب النفسيّ، كما ربما يأتي في باب المقدّمة (١).

إن قلت: نعم، لكنّه إذا أُخذ قصد الامتثال شرطاً، وأمّا إذا أُخذ شطراً فلا محالة نفس الفعل الّذي تعلّق الوجوبُ به مع هذا القصد يكون متعلّقاً للوجوب ؛ إذ المركّب ليس إلّا نفس الأجزاء بالأسر، ويكون تعلُّقُه بكلٍّ بعين تعلّقه بالكلّ، ويصحّ أن يؤتى به بداعي ذاك الوجوب ؛ ضرورةَ صحّة الإتيان بأجزاء الواجب بداعي وجوبه.

قلت: - مع امتناع اعتباره كذلك ؛ فإنّه يوجب تعلّق الوجوب بأمرٍ غير اختياريّ ؛ فإنّ الفعل وإن كان بالإرادة اختياريّاً، إلّا أنّ إرادتَهُ حيث لا تكون بإرادة أُخرى - وإلّا لتسلسلت - ليست باختياريّة، كما لا يخفى - إنّما يصحّ الإتيان بجزء الواجب بداعي وجوبه في ضمن إتيانه بهذا الداعي، ولا يكاد يمكن الإتيانُ بالمركّب من قصد الامتثال (٢) بداعي امتثال أمره.

دفع الإشكال بتعدّد الأمر و الجواب عنه

إن قلت: نعم، لكن هذا كلّه إذا كان اعتباره في المأمور به بأمرٍ واحدٍ، وأمّا إذا كان بأمرين - تعلّق أحدهما بذات الفعل، وثانيهما بإتيانه بداعي أمره - فلا محذور أصلاً، كما لا يخفى (٣)، فللآمر أن يتوسّل بذلك في الوصلة إلى تمام غرضه ومقصده بلا شبهة (٤).

__________________

(١) لعلّه إشارة إلى ما يأتي منه في تقسيم المقدّمة إلى الداخليّة والخارجية ؛ حيث قال: فانقدح بذلك فساد توهّم اتّصاف كل جزء من أجزاء الواجب بالوجوب النفسي والغيري باعتبارين... انظر الصفحة: ١٣١.

(٢) في الأصل و « ن »: عن قصد الامتثال. وفي سائر الطبعات كما أثبتناه.

(٣) هذا ما أفاده الشيخ الأعظم الأنصاري كما في مطارح الأنظار ١: ٣٠٣. وراجع بدائع الأفكار: ٣٣٥.

(٤) أدرجنا ما في الأصل، وفي « ن » وأكثر الطبعات: بلا مَنَعَة، وفي هامش « ق » و « ش »: بلا تبعة ( نسخة بدل ).

قلت: - مضافاً إلى القطع بأنّه ليس في العبادات إلّا أمر واحد، كغيرها من الواجبات والمستحبّات، غاية الأمر يدور مدار الامتثال وجوداً وعدماً فيها المثوبات والعقوبات، بخلاف ما عداها، فيدور فيه خصوص المثوبات، وأمّا العقوبة فمترتّبة على ترك الطاعة ومطلق الموافقة - إنّ الأمر الأوّل:

إن كان يسقط بمجرّد موافقته ولو لم يقصد به الامتثال - كما هو قضيّة الأمر الثاني - فلا يبقى مجال لموافقة الثاني، مع موافقة الأوّل بدون قصد امتثاله، فلا يتوسّل الآمر إلى غرضه بهذه الحيلة والوسيلة.

وإن لم يكد يسقط بذلك، فلا يكاد يكون له وجهٌ إلّا عدمُ حصول غرضه بذلك من أمره ؛ لاستحالة سقوطه مع عدم حصوله، وإلّا لما كان موجباً لحدوثه، وعليه فلا حاجة في الوصول إلى غرضه إلى وسيلة تعدّد الأمر ؛ لاستقلال العقل - مع عدم حصول غرض الآمر بمجرّد موافقة الأمر - بوجوب الموافقة على نحوٍ يحصل به غرضه، فيسقط أمره.

هذا كلّه إذا كان التقرّب المعتبر في العبادة بمعنى قصد الامتثال.

وأمّا إذا كان بمعنى الإتيان بالفعل بداعي حسنه، أو كونه ذا مصلحة (١)(٢)، فاعتباره في متعلّق الأمر وإن كان بمكانٍ من الإمكان، إلّا أنّه غير معتبر فيه قطعاً ؛ لكفاية الاقتصار على قصد الامتثال، الّذي عرفت عدم إمكان أخذه فيه بداهةً.

__________________

(١) في « ن »، « ر » و « ق » زيادة: أو له تعالى.

(٢) على ما نسب إلى الشيخ الأنصاري من أنّه جعل قصد الجهة والمصلحة في عرض قصد امتثال الأمر، خلافاً لصاحب الجواهر، حيث اقتصر كون الشيء قربيّاً وعبادة على قصد الأمر، وجعل بقية الدواعي القربيّة في طول هذا الداعي لا في عرضه. ( شرح كفاية الأُصول للشيخ عبد الحسين الرشتي ١: ١٠٤ ).

تأمّل في ما ذكرناه في المقام، تعرف حقيقةَ المرام، كي لا تقع في ما وقع فيه من الاشتباه بعضُ الأعلام.

٣ - امتناع التمسّك بإطلاق الأمر لإثبات التوصّليّة

ثالثتها (١): إنّه إذا عرفت - بما لا مزيد عليه - عدمَ إمكان أخذ قصد الامتثال في المأمور به أصلاً، فلا مجال للاستدلال بإطلاقه - ولو كان مسوقاً في مقام البيان - على عدم اعتباره، كما هو أوضح من أن يخفى، فلا يكاد يصحّ التمسّك به إلّا في ما يمكن اعتباره فيه.

فانقدح بذلك: أنّه لا وجه لاستظهار التوصّليّة من إطلاق الصيغة بمادّتها (٢)، ولا لاستظهار عدم اعتبار مثل الوجه - ممّا هو ناشئ من قِبَل الأمر - من إطلاق المادّة في العبادة لو شكّ في اعتباره فيها.

إمكان التمسّك بالإطلاق المقامي لإثبات التوصّليّة

نعم، إذا كان الآمر في مقامٍ بصدد بيان تمام ما له دَخْلٌ في حصول غرضه، وإن لم يكن له دَخْلٌ في متعلَّق أمره، ومعه سكتَ في المقام، ولم ينصب دلالةً على دَخْلِ قصد الامتثال في حصوله، كان هذا قرينةً على عدم دخله في غرضه، وإلّا لكان سكوته نقضاً له وخلافَ الحكمة.

مقتضى الأُصول العمليّة: الاشتغال

فلابدّ عند الشكّ وعدم إحراز هذا المقام من الرجوع إلى ما يقتضيه الأصل، ويستقلّ به العقل.

__________________

(١) هذه هي نفس النتيجة، لا من المقدّمات التي يتوقّف عليها إبطال التمسك بإطلاق الصيغة لإثبات التوصلية. ( عناية الأُصول ١: ٢٢٤ ).

(٢) تعريضٌ بالشيخ الأعظم الأنصاريّ، حيث قال - على ما في تقريرات بحثه -: « فالحقّ الحقيق بالتصديق هو أنّ ظاهر الأمر يقتضى التوصّليّة ؛ إذ ليس المستفاد من الأمر إلّا تعلّق الطلب الذي هو مدلول الهيئة للفعل على ما هو مدلول المادة. ( مطارح الأنظار ١: ٣٠٤ ). لكنه ذكر هذا الاستظهار بعد بيان امتناع الإطلاق... والظاهر: أنّ مراده وجوب الحكم بعدم تقييد موضوع المصلحة بمجرّد عدم بيان تقييده ؛ لأصالة عدمه، كما صرّح به، فلاحظ. راجع حقائق الأُصول ١: ١٧٥.