درس کفایه الاصول - جلد اول

جلسه ۷۰: اوامر ۲۰

 

وقد عرفت في باب المشتقّ (٢) مباينةَ المصدر وسائر المشتقّات بحسب المعنى، فكيف بمعناه يكون مادّة لها (٣) ؟ فعليه يمكن دعوى اعتبار المرّة أو التكرار في مادّتها، كما لا يخفى.

إن قلت: فما معنى ما اشتهر من كون المصدر أصلاً في الكلام ؟

قلت: - مع أنّه محلّ الخلاف (٤) - معناه: أنّ الّذي وُضع أوّلاً بالوضع الشخصيّ، ثمّ بملاحظته وُضع - نوعيّاً أو شخصيّاً (٥) - سائرُ الصيغ الّتي تناسبه - ممّا جمعه معه مادّةُ لفظٍ متصوّرةٌ في كلٍّ منها ومنه بصورةٍ، ومعنىً كذلك - هو المصدر أو الفعل، فافهم.

المراد بالمرّة و التكرار

ثمّ المراد بالمرّة والتكرار: هل هو الدفعة والدفعات (٦)، أو الفرد والأفراد (٧) ؟

التحقيق: أن يقعا بكلا المعنيين محلّ النزاع، وإن كان لفظهما ظاهراً في المعنى الأوّل.

وتوهُّمُ: أنّه لو أُريد بالمرّة الفرد « لكان الأنسبُ، - بل اللازم - أن يجعل هذا المبحث تتمّةً للمبحث الآتي: من أنّ الأمر هل يتعلّق بالطبيعة أو بالفرد ؟

__________________

(١) أثبتنا الكلمة كما هي في حقائق الأُصول ومنتهى الدراية. وفي غيرهما: ليست.

(٢) في ثاني تنبيهات المشتق ؛ حيث أفاد: أنّ المشتق يكون « لا بشرط » والمبدأ يكون « بشرط لا ». راجع الصفحة: ٨٣.

(٣) في نهاية الدراية ١: ٣٥٨: وكيف يكون بمعناه مادة لها ؟

(٤) حيث ذهب الكوفيّون إلى أنّ الأصل في الكلام هو الفعل. انظر شرح ابن عقيل ١: ٥٥٩، ويراجع للتفصيل: تعليقة القزويني على معالم الأُصول ٢: ٣٩١ - ٣٩٤.

(٥) الأول بالنسبة إلى المادة، والثاني بالنسبة إلى الهيئة... ولا يخفى أنّ المناسب: العطف بالواو، لا بأو ( كفاية الأُصول مع حاشية المشكيني ١: ٣٩٢ ).

(٦) وهو مختار الفصول: ٧١.

(٧) وهو مختار المحقّق القمّي في القوانين ١: ٩٢.

فيقال عند ذلك: وعلى تقدير تعلُّقِهِ بالفرد هل يقتضي التعلّقَ بالفرد الواحد أو المتعدّد، أو لا يقتضي شيئاً منهما ؟ ولم يحتج إلى إفراد كلٍّ منهما بالبحث كما فعلوه ». وأمّا لو أُريد بها الدفعة فلا عُلقة بين المسألتين كما لا يخفى (١).

فاسدٌ ؛ لعدم العلقة بينهما لو أُريد بها الفردُ أيضاً، فإنّ الطلب - على القول بالطبيعة - إنّما يتعلّق بها باعتبار وجودها في الخارج ؛ ضرورةَ أنّ الطبيعة من حيث هي ليست إلّا هي، لا مطلوبة ولا غير مطلوبة.

وبهذا الاعتبار كانت مردّدةً بين المرّة والتكرار بكلا المعنيين. فيصحّ النزاع في دلالة الصيغة على المرّة والتكرار بالمعنيين وعدمها:

أمّا بالمعنى الأوّل فواضحٌ.

وأمّا بالمعنى الثاني فلوضوح أنّ المراد من الفرد أو الأفراد وجودٌ واحدٌ أو وجودات، وإنّما عُبِّر بالفرد ؛ لأنّ وجود الطبيعة في الخارج هو الفرد، غاية الأمر خصوصيّته وتشخّصه - على القول بتعلّق الأمر بالطبائع - يلازم المطلوب وخارجٌ عنه، بخلاف القول بتعلّقه بالأفراد، فإنّه ممّا يقوّمه.

ثمرة البحث في المرّة والتكرار

تنبيه (٢):

لا إشكال بناءً على القول بالمرّة في الامتثال، وأنّه لا مجال للإتيان بالمأمور به ثانياً على أن يكون أيضاً به الامتثال، فإنّه من الامتثال بعد الامتثال.

وأمّا على المختار - من دلالتها على طلب الطبيعة من دون دلالةٍ على المرّة ولا على التكرار - فلا تخلو الحالُ: إمّا أن لا يكون هناك إطلاق الصيغة

__________________

(١) هذا ما توهّمه في الفصول: ٧١، وما بين الأقواس هو نصّ كلامه.

(٢) ذكره في الفصول: ٧١ بعنوان: تذنيب.

في مقام البيان - بل في مقام الإهمال أو الإجمال -، فالمرجع هو الأصل، وإمّا أن يكون إطلاقها في ذلك المقام، فلا إشكال في الاكتفاء بالمرّة في الامتثال.

وإنّما الإشكال في جواز أن لا يقتصر عليها، فإنّ لازم إطلاق الطبيعة المأمور بها هو الإتيان بها مرّةً أو مراراً، لا لزوم الاقتصار على المرّة، كما لا يخفى.

والتحقيق: أنّ قضيّة الإطلاق إنّما هو جواز الإتيان بها مرّةً في ضمن فردٍ أو أفراد، فيكون إيجادها في ضمنها نحواً من الامتثال، كإيجادها في ضمن الواحد، لا جواز الإتيان بها مرّةً ومرّات ؛ فإنّه مع الإتيان بها مرّةً لا محالة يحصل الامتثال، ويسقط به الأمر، في ما إذا كان امتثال الأمر علّةً تامّةً (١) لحصول الغرض الأقصى، بحيث يحصل بمجرّده، فلا يبقى معه مجالٌ لإتيانه ثانياً بداعي امتثال آخر، أو بداعي أن يكون الإتيانان امتثالاً واحداً ؛ لما عرفت من حصول الموافقة بإتيانها، وسقوطِ الغرض معها، وسقوط الأمر بسقوطه، فلا يبقى مجال لامتثاله أصلاً.

وأمّا إذا لم يكن الامتثال علّةً تامّةً لحصول الغرض، كما إذا أمر بالماء ليشرب أو يتوضّأ، فاتي به ولم يشرب أو لم يتوضّأ فعلاً، فلا يبعد صحّة تبديل الامتثال بإتيان فردٍ آخر أحسن منه، بل مطلقاً، كما كان له ذلك قبله، على ما يأتي بيانه في الإجزاء (٢).

__________________

(١) في العبارة مسامحة ؛ لأنّ الامتثال علّة تامّة دائماً، والوجه: التعبير ب: الإتيان. ( كفاية الأُصول مع حاشية المشكيني ١: ٣٩٩ ).

(٢) في الموضع الأول من مبحث الإجزاء، قوله: نعم، لا يبعد أن يقال: بأنّه يكون للعبد تبديل الامتثال والتعبد به ثانياً... راجع الصفحة: ١٢١.