درس کفایه الاصول - جلد اول

جلسه ۹۴: مقدمه واجب ۱۴

 

على الفصول هذا التقسيم (١) ؛ ضرورة أنّ المعلّق بما فسّره يكون من المشروط بما اختار له من المعنى على ذلك، كما هو واضح، حيث لا يكون حينئذٍ هناك معنى آخر معقولٌ، كان هو المعلّق المقابل للمشروط.

ومن هنا انقدح: أنّه في الحقيقة إنّما أنكر الواجبَ المشروط بالمعنى الّذي يكون هو ظاهر المشهور والقواعِد العربيّة، لا الواجبَ المعلّق بالتفسير المذكور.

وحيث قد عرفت - بما لا مزيد عليه - إمكانَ رجوع الشرط إلى الهيئة - كما هو ظاهر المشهور وظاهر القواعد - فلا يكون مجال لإنكاره عليه.

إشكال المصنّف على الواجب المعلّق

نعم، يمكن أن يقال: إنّه لا وقْع لهذا التقسيم ؛ لأنّه بكلا قسميه من المطلق المقابل للمشروط، وخصوصيّةُ كونه حاليّاً أو استقباليّاً لا توجبه ما لم توجب الاختلافَ في المهمّ، وإلّا لكثرت (٢) تقسيماته ؛ لكثرة الخصوصيّات، ولا اختلاف فيه ؛ فإنّ ما رتّبه عليه من وجوب المقدّمة فعلاً - كما يأتي - إنّما هو من أثر إطلاق وجوبه وحاليّته، لا من استقباليّة الواجب، فافهم.

إشكال بعض أهل النظر في الواجب المعلّق والجواب عنه

ثمّ إنّه ربما حكي عن بعض أهل النظر من أهل العصر (٣) إشكالٌ في الواجب المعلّق، وهو: أنّ الطلب والإيجاب إنّما يكون بإزاء الإرادة المحرِّكة للعضلات نحو المراد، فكما لا تكاد تكون الإرادة منفكّةً عن المراد، فلْيكن الإيجاب غيرَ منفكّ عمّا يتعلّق به، فكيف يتعلّق بأمر استقباليّ ؟ فلا يكاد يصحّ الطلب والبعث فعلاً نحوَ أمرٍ متأخّر.

__________________

(١) راجع مطارح الأنظار ١: ٢٦٣ - ٢٦٤.

(٢) في غير منتهى الدراية: لكثر.

(٣) هو المحقّق النهاونديّ في تشريح الأُصول: ١٩١. وأصرّ عليه جماعة من الأعيان. ( حقائق الأُصول ١: ٢٤٥ ).

قلت: فيه أنّ الإرادة تتعلّق بأمر متأخّر استقباليّ، كما تتعلّق بأمر حاليّ، وهو أوضح من أن يخفى على عاقل، فضلاً عن فاضل ؛ ضرورةَ أنّ تحمُّلَ المشاقّ في تحصيل المقدّمات - في ما إذا كان المقصود بعيدَ المسافة وكثير المؤونة - ليس إلّا لأجل تعلّق إرادته به، وكونهِ مريداً له قاصداً إيّاه، لا يكاد يحمله على التحمّل إلّا ذلك.

ولعلّ الّذي أوقعه في الغلط ما قرع سَمْعه من تعريف الإرادة بالشوق المؤكّد المحرّك للعضلات نحوَ المراد، وتوهَّم: أنّ تحريكها نحو المتأخّر ممّا لا يكاد.

وقد غفل عن أنّ كونه (١) محرِّكاً نحوه يختلف حسب اختلافه، في كونه ممّا لا مؤونة له كحركة نفس العضلات، أو ممّا له مؤونة ومقدّمات قليلة أو كثيرة.

فحركة العضلات تكون أعمَّ من أن تكون بنفسها مقصودةٌ أو مقدّمةٌ له، والجامع أن يكون نحو المقصود (٢).

بل مرادهم من هذا الوصف - في تعريف الإرادة - بيان مرتبة الشوق الّذي يكون هو الإرادة، وإن لم يكن هناك فعلاً تحريكٌ ؛ لكون المراد وما اشتاق إليه كمالَ الاشتياق، أمراً استقباليّاً غيرَ محتاجٍ إلى تهيئة مؤونة أو تمهيد مقدّمة ؛ ضرورةَ أنّ شوقه إليه ربما يكون أشدَّ من الشوق المحرِّك فعلاً نحوَ أمرٍ حاليٍّ أو استقباليٍّ محتاجٍ إلى ذلك، هذا.

مع أنّه لا يكاد يتعلّق البعث إلّا بأمر متأخّر عن زمان البعث ؛ ضرورةَ أنّ البعث إنّما يكون لإحداث الداعي للمكلّف إلى المكلّف به، بأن يتصوّره بما

__________________

(١) الأولى: تأنيث الضمير ؛ لرجوعه إلى الإرادة. ( منتهى الدراية ٢: ١٩٥ ).

(٢) هذا ليس بجامع بين فردي الحركة، بل يتّحد مع الثاني لا غيره، والجامع هو الحركة المقصودة نفسياً أو غيرياً. ( حقائق الأُصول ١: ٢٤٦ )، وراجع نهاية الدراية ٢: ٨٢.