درس کفایه الاصول - جلد اول

جلسه ۹۵: مقدمه واجب ۱۵

 

قلت: فيه أنّ الإرادة تتعلّق بأمر متأخّر استقباليّ، كما تتعلّق بأمر حاليّ، وهو أوضح من أن يخفى على عاقل، فضلاً عن فاضل ؛ ضرورةَ أنّ تحمُّلَ المشاقّ في تحصيل المقدّمات - في ما إذا كان المقصود بعيدَ المسافة وكثير المؤونة - ليس إلّا لأجل تعلّق إرادته به، وكونهِ مريداً له قاصداً إيّاه، لا يكاد يحمله على التحمّل إلّا ذلك.

ولعلّ الّذي أوقعه في الغلط ما قرع سَمْعه من تعريف الإرادة بالشوق المؤكّد المحرّك للعضلات نحوَ المراد، وتوهَّم: أنّ تحريكها نحو المتأخّر ممّا لا يكاد.

وقد غفل عن أنّ كونه (١) محرِّكاً نحوه يختلف حسب اختلافه، في كونه ممّا لا مؤونة له كحركة نفس العضلات، أو ممّا له مؤونة ومقدّمات قليلة أو كثيرة.

فحركة العضلات تكون أعمَّ من أن تكون بنفسها مقصودةٌ أو مقدّمةٌ له، والجامع أن يكون نحو المقصود (٢).

بل مرادهم من هذا الوصف - في تعريف الإرادة - بيان مرتبة الشوق الّذي يكون هو الإرادة، وإن لم يكن هناك فعلاً تحريكٌ ؛ لكون المراد وما اشتاق إليه كمالَ الاشتياق، أمراً استقباليّاً غيرَ محتاجٍ إلى تهيئة مؤونة أو تمهيد مقدّمة ؛ ضرورةَ أنّ شوقه إليه ربما يكون أشدَّ من الشوق المحرِّك فعلاً نحوَ أمرٍ حاليٍّ أو استقباليٍّ محتاجٍ إلى ذلك، هذا.

مع أنّه لا يكاد يتعلّق البعث إلّا بأمر متأخّر عن زمان البعث ؛ ضرورةَ أنّ البعث إنّما يكون لإحداث الداعي للمكلّف إلى المكلّف به، بأن يتصوّره بما

__________________

(١) الأولى: تأنيث الضمير ؛ لرجوعه إلى الإرادة. ( منتهى الدراية ٢: ١٩٥ ).

(٢) هذا ليس بجامع بين فردي الحركة، بل يتّحد مع الثاني لا غيره، والجامع هو الحركة المقصودة نفسياً أو غيرياً. ( حقائق الأُصول ١: ٢٤٦ )، وراجع نهاية الدراية ٢: ٨٢.

يترتّب عليه (١) من المثوبة، وعلى تركه من العقوبة، ولايكاد يكون هذا إلّا بعد البعث بزمانٍ، فلا محالة يكون البعث نحوَ أمرٍ متأخّرٍ عنه بالزمان، ولا يتفاوت طوله وقِصَره - في ما هو ملاك الاستحالة والإمكان - في نظر العقل الحاكم في هذا الباب.

ولعمري ما ذكرناه واضحٌ لا ستْرَةَ عليه، والإطناب إنّما هو لأجل رفع المغالطة الواقعة في أذهان بعض الطّلاب.

إشكال رابع على الواجب المعلّق والجواب عنه

وربما أُشكل على المعلّق أيضاً بعدم القدرة على المكلّف به في حال البعث، مع أنّها من الشرائط العامّة (٢).

وفيه: أنّ الشرط إنّما هو القدرة على الواجب في زمانه، لا في زمان الإيجاب والتكليف، غاية الأمر يكون من باب الشرط المتأخّر (٣)، وقد عرفت (٤) بما لامزيد عليه أنّه كالمقارن، من غير انخرام للقاعدة العقليّة أصلاً، فراجع.

إشكال خامس على كلام صاحب الفصول

ثمّ لا وجه لتخصيص المعلّق بما يتوقّف حصوله على أمر غير مقدور (٥)، بل ينبغي تعميمه إلى أمرٍ مقدورٍ متأخّرٍ، أُخذ على نحوٍ يكون مورداً للتكليف،

__________________

(١) الأولى أن يقال: « على فعله من المثوبة » في مقابل: « وعلى تركه من العقوبة »... ( منتهى الدراية ٢: ١٩٧ ).

(٢) ورد هذا الإشكال والجواب عنه في الفصول: ٧٩ - ٨٠ بقوله: لا يقال: إذا توقف فعل الواجب على شيء غير مقدور له... لأنّا نقول.

(٣) إنّ في العبارة تهافتاً ؛ لأنّ مقتضى قوله: « إنّ الشرط إنّما هو القدرة على الواجب » أن تكون القدرة شرطاً للواجب، ومقتضى قوله: « يكون من باب الشرط المتأخّر » أن تكون القدرة شرطاً للوجوب. راجع منتهى الدراية ٢: ١٩٨ - ١٩٩.

(٤) في البحث عن الشرط المتأخّر. إذ قال: والتحقيق في رفع هذا الإشكال... فكون أحدهما شرطاً للتكليف أو الوضع ليس إلّا أنّ للحاظه دخلاً في تكليف الآمر كالشرط المقارن بعينه. راجع الصفحة: ١٣٤.

(٥) صرّح في الفصول بعدم الفرق بين غير المقدور والمقدور، ومثّل للثاني بما لو توقّف الحج المنذور على ركوب الدابّة المغصوبة. ( حقائق الأُصول ١: ٢٤٨ ) ويراجع الفصول: ٧٩ - ٨٠.

ويرشح عليه الوجوب من الواجب، أو لا (١) ؛ لعدم تفاوت في ما يهمّه من وجوب تحصيل المقدّمات الّتي لا يكاد يقدر عليها في زمان الواجب على المعلّق (٢)، دون المشروط ؛ لثبوت الوجوب الحاليّ فيه، فيترشّح منه الوجوب على المقدّمة - بناءً على الملازمة - دونه ؛ لعدم ثبوته فيه إلّا بعد الشرط.

نعم، لو كان الشرط على نحو الشرط المتأخّر، وفُرِض وجوده، كان الوجوب المشروط به حاليّاً أيضاً، فيكون وجوب سائر المقدّمات الوجوديّة للواجب أيضاً حاليّاً، وليس الفرق بينه وبين المعلّق حينئذٍ إلّا كونَه مرتبطاً بالشرط، بخلافه وإن ارتبط به الواجب.

المناط في فعليّة وجوب المقدّمة هو فعليّة وجوب ذيها

تنبيهٌ:

قد انقدح - من مطاوي ما ذكرناه -: أنّ المناط في فعليّة وجوب المقدّمة الوجوديّة، وكونه في الحال بحيث يجب على المكلّف تحصيلها، هو فعليّة وجوب ذيها، ولو كان أَمراً استقباليّاً - كالصوم في الغد، والمناسك في الموسم -، كان وجوبه مشروطاً - بشرطٍ موجودٍ أُخذ فيه ولو متأخّراً -، أو مطلقاً - منجّزاً كان أو معلّقاً - في ما إذا لم تكن مقدّمةً للوجوب أيضاً (٣)، أو مأخوذةً في

__________________

(١) كذا في الأصل و « ن » وأكثر الطبعات. وفي حقائق الأُصول ومنتهى الدراية: « على نحوٍ لا يكون مورداً للتكليف ويرشح عليه الوجوب من الواجب ؛ لعدم... ». وقال المشكيني: في النسخ التي رأيناها قد سقطت كلمة « لا » [ بين « نحو » و « يكون » ] وعطف عليه قوله: « أو لا ». ولكن قال الأُستاذ [ الشيخ علي القوچاني ]: أن النسخة مغلوطة، والصحيح: ثبوت كلمة « لا » وعدم كلمة « أو لا ». ( كفاية الأُصول مع حاشية المشكيني ١: ٥١٧ ) وفي حقائق الأُصول ١: ٢٤٨: قد ضرب في بعض النسخ على قوله: « أو لا » مع زيادة « لا » بين « نحو » و « يكون » فتكون العبارة على هذا التصحيح هكذا: على نحوٍ لا يكون مورداً للتكليف ويرشح عليه الوجوب من الواجب.

(٢) في « ن »: في زمان الواجب المعلّق.

(٣) لم يظهر وجه لهذا الشرط، بعد فرض كون الوجوب مطلقاً ؛ إذ لو كانت مقدّمة وجود الواجب مقدّمة لوجوبه أيضاً ؛ لخرج ذو المقدّمة عن كونه واجباً مطلقاً. ( منتهى الدراية ٢: ٢٠٤ ).

الواجب (١) على نحوٍ يستحيل أن تكون مورداً للتكليف، كما إذا أُخذ عنواناً للمكلّف، كالمسافر والحاضر والمستطيع... إلى غير ذلك، أو جُعل الفعلُ المقيّد باتّفاق حصوله وتقدير وجوده - بلا اختيار أو باختياره - مورداً للتكليف ؛ ضرورةَ أنّه لو كان مقدّمة الوجوب أيضاً لا يكاد يكون هناك وجوب إلّا بعد حصوله، وبعد الحصول يكون وجوبه طلب الحاصل، كما أنّه إذا أُخذ على أحد النحوين يكون كذلك، فلو لم يحصل لما كان الفعل مورداً للتكليف، ومع حصوله لا يكاد يصحّ تعلّقه به، فافهم.

وجوب المقدّمات قبل الوقت ووجوه دفع الإشكال فيها

إذا عرفت ذلك فقد عرفت: أنّه لا إشكال أصلاً في لزوم الإتيان بالمقدّمة قبلَ زمان الواجب، إذا لم يقدر عليه بعدَ زمانه، في ما كان وجوبه حاليّاً مطلقاً، ولو كان مشروطاً بشرطٍ متأخّرٍ كان معلومَ الوجود في ما بعد، كما لا يخفى ؛ ضرورةَ فعليّة وجوبه وتنجُّزه بالقدرة عليه (٢) بتمهيد مقدّمته، فيترشّح منه الوجوب عليها - على الملازمة -. ولا يلزم منه محذور وجوب المقدّمة قبلَ وجوب ذيها، وإنّما اللازم الإتيان بها قبل الإتيان به، بل لزومُ الإتيان بها عقلاً - ولو لم نقل بالملازمة - لا يحتاج إلى مزيد بيان ومؤونة برهان، كالإتيان بسائر المقدّمات في زمان الواجب قبل إتيانه.

__________________

(١) قال في حقائق الأُصول ١: ٢٥٠: كان الأولى أن يقول بدله: ولا مأخوذة في الواجب ؛ لأنّ الشرط في وجوب التحصيل على المكلّف انتفاء الجميع لا انتفاء أحدهما كما هو مفاد كلمة « أو ». وقال في منتهى الدراية ٢: ٢٠٥: هذا القيد ( أو مأخوذة في الواجب على نحو... ) مستدرك ؛ لاندراجه في مقدّمة الوجوب وكونه من مصاديقها.

(٢) لا يخفى: أن التنجّز من آثار قيام الحجّة على التكليف من علم أو علمي أو أصل، والقدرة من شرائط حسن ا لخطاب بملاك قبح مطالبة العاجز، فالأولى: إسقاط قوله: « وتنجّزه بالقدرة عليه ». ( منتهى الدراية ٢: ٢٠٧ ).