درس کفایه الاصول - جلد اول

جلسه ۹۹: مقدمه واجب ۱۹

 

وأمّا الكبرى: فلأنّ التقييد وإن لم يكن مجازاً، إلّا أنّه خلاف الأصل، ولا فرق في الحقيقة بين تقييد الإطلاق، وبين أن يعمل عملاً يشترك مع التقييد في الأثر، وبطلانِ العمل به.

وما ذكرناه من الوجهين موافقٌ لما أفاده بعض مقرّري بحث الاستاذ العلّامة أعلى الله مقامه.

المناقشة في الوجهين

وأنت خبير بما فيهما:

أمّا في الأوّل: فلأنّ مفاد إطلاق الهيئة وإن كان شموليّاً بخلاف المادّة، إلّا أنّه لا يوجب ترجيحَه على إطلاقها ؛ لأنّه أيضاً كان بالإطلاق ومقدّمات الحكمة، غاية الأمر أنّها تارةً تقتضي العموم الشموليّ، وأُخرى البدليّ، كما ربّما تقتضي التعيين أحياناً، كما لا يخفى.

وترجيح عموم العامّ على إطلاق المطلق إنّما هو لأجل كون دلالته بالوضع، لا لكونه شموليّاً، بخلاف المطلق، فإنّه بالحكمة، فيكون العامّ أظهر منه، فيقدّم عليه.

فلو فُرض أنّهما في ذلك على العكس - فكان عامٌّ بالوضع دلّ على العموم البدليّ، ومطلقٌ بإطلاقه دلّ على الشمول - لكان العامُّ يقدّم بلا كلام.

وأمّا في الثاني: فلأنّ التقييد وإن كان خلافَ الأصل، إلّا أنّ العمل الّذي يوجب عدمَ جريان مقدّمات الحكمة، وانتفاءَ بعض مقدّماتها (١)، لا يكون على خلاف أصلٍ (٢) أصلاً ؛ إذ معه لا يكون هناك إطلاق، كي يكون بطلانُ العمل به في الحقيقة مثلَ التقييد الّذي يكون على خلاف الأصل.

وبالجملة: لا معنى لكون التقييد خلاف الأصل إلّا كونه خلاف الظهور

__________________

(١) في غير « ش »: مقدّماته.

(٢) في « ن » وبعض الطبعات: الأصل.

المنعقد للمطلق ببركة مقدّمات الحكمة، ومع انتفاء المقدّمات لا يكاد ينعقد له هناك ظهور ليكون (١) ذاك العمل - المشارك مع التقييد في الأثر، وبطلانِ العمل بإطلاق المطلق - مشاركاً معه في خلاف الأصل أيضاً.

وكأنّه توهَّم: أنّ إطلاق المطلق كعموم العامّ ثابتٌ، ورَفْع اليد عن العمل به: تارةً لأجل التقييد، وأُخرى بالعمل المبطل للعمل به.

وهو فاسد ؛ لأنّه لا يكون إطلاقٌ إلّا في ما جرت هناك المقدّمات.

نعم، إذا كان التقييد بمنفصل، ودار الأمر بين الرجوع إلى المادّة أو الهيئة، كان لهذا التوهّم مجالٌ ؛ حيث انعقد للمطلق إطلاق، وقد استقرّ له ظهور ولو بقرينة الحكمة، فتأمّل.

ومنها: تقسيمه إلى النفسيّ والغيريّ.

تعريف الواجب النفسيّ والغيريّ

وحيث كان طلبُ شيءٍ وإيجابُه لا يكاد يكون بلا داعٍ، فإن كان الداعي فيه هو التوصّل به إلى واجب لا يكاد يمكن (٢) التوصّل بدونه إليه - لتوقُّفِهِ عليه -، فالواجب غيريّ، وإلّا فهو نفسيّ، سواء كان الداعي محبوبيّةَ الواجب بنفسه، كالمعرفة بالله، أو محبوبيَّته بما له من فائدة مترتّبة عليه، كأكثر الواجبات من العبادات والتوصّليّات (٣)، هذا.

الإشكال على التعريف

لكنّه لا يخفى: أنّ الداعي لو كان هو محبوبيّته كذلك - أي بما له من الفائدة المترتّبة عليه - كان الواجب في الحقيقة واجباً غيريّاً ؛ فإنّه لو لم يكن وجود هذه الفائدة لازماً لما دعا إلى إيجاب ذي الفائدة.

فإن قلت: نعم، وإن كان وجودها محبوباً لزوماً، إلّا أنّه حيث كانت من

__________________

(١) أثبتنا ما في حقائق الأُصول ومنتهى الدراية، وفي غيرهما: كان.

(٢) أثبتنا « يمكن » من حقائق الأُصول.

(٣) هذا التعريف مذكور في مطارح الأنظار ١: ٣٢٩.