درس کفایه الاصول - جلد اول

جلسه ۱۰۱: مقدمه واجب ۲۱

 

المنعقد للمطلق ببركة مقدّمات الحكمة، ومع انتفاء المقدّمات لا يكاد ينعقد له هناك ظهور ليكون (١) ذاك العمل - المشارك مع التقييد في الأثر، وبطلانِ العمل بإطلاق المطلق - مشاركاً معه في خلاف الأصل أيضاً.

وكأنّه توهَّم: أنّ إطلاق المطلق كعموم العامّ ثابتٌ، ورَفْع اليد عن العمل به: تارةً لأجل التقييد، وأُخرى بالعمل المبطل للعمل به.

وهو فاسد ؛ لأنّه لا يكون إطلاقٌ إلّا في ما جرت هناك المقدّمات.

نعم، إذا كان التقييد بمنفصل، ودار الأمر بين الرجوع إلى المادّة أو الهيئة، كان لهذا التوهّم مجالٌ ؛ حيث انعقد للمطلق إطلاق، وقد استقرّ له ظهور ولو بقرينة الحكمة، فتأمّل.

ومنها: تقسيمه إلى النفسيّ والغيريّ.

تعريف الواجب النفسيّ والغيريّ

وحيث كان طلبُ شيءٍ وإيجابُه لا يكاد يكون بلا داعٍ، فإن كان الداعي فيه هو التوصّل به إلى واجب لا يكاد يمكن (٢) التوصّل بدونه إليه - لتوقُّفِهِ عليه -، فالواجب غيريّ، وإلّا فهو نفسيّ، سواء كان الداعي محبوبيّةَ الواجب بنفسه، كالمعرفة بالله، أو محبوبيَّته بما له من فائدة مترتّبة عليه، كأكثر الواجبات من العبادات والتوصّليّات (٣)، هذا.

الإشكال على التعريف

لكنّه لا يخفى: أنّ الداعي لو كان هو محبوبيّته كذلك - أي بما له من الفائدة المترتّبة عليه - كان الواجب في الحقيقة واجباً غيريّاً ؛ فإنّه لو لم يكن وجود هذه الفائدة لازماً لما دعا إلى إيجاب ذي الفائدة.

فإن قلت: نعم، وإن كان وجودها محبوباً لزوماً، إلّا أنّه حيث كانت من

__________________

(١) أثبتنا ما في حقائق الأُصول ومنتهى الدراية، وفي غيرهما: كان.

(٢) أثبتنا « يمكن » من حقائق الأُصول.

(٣) هذا التعريف مذكور في مطارح الأنظار ١: ٣٢٩.

الخواصّ المترتّبة على الأفعال الّتي ليست داخلة تحت قدرة المكلّف، لما كاد (١) يتعلّق بها الإيجاب (٢).

قلت: بل هي داخلةٌ تحت القدرة ؛ لدخول أسبابها تحتها، والقدرة على السبب قدرةٌ على المسبّب، وهو واضح، وإلّا لما صحّ وقوع مثل التطهير والتمليك والتزويج والطلاق والعتاق... إلى غير ذلك من المسبّبات، مورداً لحكم من الأحكام التكليفيّة.

دفع الإشكال

فالأولى أن يقال: إنّ الأثر المترتّب عليه وإن كان لازماً، إلّا أنّ ذا الأثر لمّا كان معنوناً بعنوانٍ حَسَنٍ - يستقلّ العقلُ بمدح فاعله، بل وذمّ (٣) تاركه - صار متعلّقاً للإيجاب بما هو كذلك، ولا ينافيه كونه مقدّمة لأمر مطلوبٍ واقعاً.

بخلاف الواجب الغيريّ ؛ لتمحُّض وجوبه في أنّه لكونه مقدّمةً لواجب نفسيّ، وهذا أيضاً لا ينافي أن يكون معنوناً بعنوانٍ حَسَنٍ في نفسه، إلّا أنّه لا دخل له في إيجابه الغيريّ.

ولعلّه مراد من فَسَّرهما بما أُمر به لنفسه، وما أُمر به لأجل غيره (٤).

فلا يتوجّه عليه الاعتراض (٥) بأنّ جلّ الواجبات - لولا الكلّ - يلزم أن يكون من الواجبات الغيريّة ؛ فإنّ المطلوب النفسيّ قلّ ما يوجد في الأوامر، فإنّ جلّها مطلوبات لأجل الغايات الّتي هي خارجة عن حقيقتها (٦)، فتأمّل.

__________________

(١) الأولى: فلا يكاد.

(٢) في حقائق الأُصول ومنتهى الدراية: بهذا الإيجاب.

(٣) أثبتناها من « ق » و « ر » وفي غيرهما: بذمّ.

(٤) راجع الفصول: ٨٠، وهداية المسترشدين ٢: ٨٩.

(٥) كلمة « الاعتراض » أثبتناها من « ش »، حقائق الأُصول ومنتهى الدراية.

(٦) إشارة إلى الاعتراض الذي أورده الشيخ الأعظم على التفسير المذكور. راجع مطارح الأنظار ١: ٣٣٠.