درس کفایه الاصول - جلد اول

جلسه ۱۰۴: مقدمه واجب ۲۴

 

تذنيبان:

١ - الكلام في استحقاق الثواب والعقاب على امتثال الأمر الغيري ومخالفته

الأول: لا ريب في استحقاق الثواب على امتثال الأمر النفسيّ وموافقته، واستحقاق العقاب على عصيانه ومخالفته عقلاً.

وأمّا استحقاقهما على امتثال الغيريّ ومخالفته ففيه إشكالٌ، وإن كان التحقيق عدمَ الاستحقاق على موافقته ومخالفته بما هو موافقةٌ ومخالفة ؛ ضرورةَ استقلال العقل بعدم الاستحقاق إلّا لعقابٍ واحدٍ، أو لثوابٍ كذلك، في ما خالف الواجب ولم يأتِ بواحدة من مقدّماته على كثرتها، أو وافقه وأتاه (١) بما له من المقدّمات.

نعم، لا بأس باستحقاق العقوبة على المخالفة عند ترك المقدّمة، وبزيادة (٢) المثوبة على الموافقة في ما لو أتى بالمقدّمات بما هي مقدّمات له، من باب أنّه يصير حينئذٍ من أفضل الأعمال، حيث صار أشقّها. وعليه يُنزّل ما ورد في الأخبار من الثواب على المقدّمات (٣)، أو على التفضّل، فتأمّل جيّداً.

وذلك لبداهة أنّ موافقة الأمر الغيريّ - بما هو أمرٌ، لا بما هو شروع في إطاعة الأمر النفسيّ - لا توجب قُرباً، ولا مخالفَته - بما هو كذلك - بُعداً،

__________________

(١) في هامش « ش »: أتى به ظ.

(٢) معطوف على قوله: باستحقاق، يعني: لا بأس بزيادة المثوبة. لكنّ الأولى إسقاط الحرف الجارّ ؛ ليكون معطوفاً على « العقوبة » ليصير المعنى هكذا: « ولا بأس باستحقاق زيادة المثوبة » ؛ إذ الكلام في الاستحقاق بالنسبة إلى كلّ من العقوبة والمثوبة. ( منتهى الدراية ٢: ٢٥٤ ).

(٣) مثل ما روي في ثواب المشي لزيارة أمير المؤمنين والحسين عليهما‌السلام، أو للحج. راجع وسائل الشيعة ١٤: ٣٨٠، باب استحباب زيارة أمير المؤمنين ماشياً، ذهاباً وعوداً، و٤٣٩، باب استحباب المشي إلى زيارة الحسين عليه‌السلام، و١١: ١١٣، باب استحباب اختيار المشي في الحج على الركوب.

والمثوبة والعقوبة إنّما تكونان من تبعات (١) القرب والبعد.

إشكال التقرّب واستحقاق الثواب في المقدّمات العباديّة

إشكالٌ ودفعٌ:

أمّا الأوّل: فهو أنّه إذا كان الأمر الغيريّ - بما هو - لا إطاعة له، ولا قُرب في موافقته، ولا مثوبة على امتثاله، فكيف حال بعض المقدّمات، كالطهارات، حيث لا شبهة في حصول الإطاعة والقرب والمثوبة بموافقة أمرها ؟

هذا.

مضافاً إلى أنّ الأمر الغيريّ لا شبهة في كونه توصّليّاً، وقد اعتبر في صحّتها إتيانها بقصد القربة.

الجواب عن الإشكال

وأمّا الثاني: فالتحقيق أن يقال: إنّ المقدّمة فيها بنفسها مستحبّة وعبادةٌ، وغاياتها إنّما تكون متوقّفةً على إحدى هذه العبادات، فلابدّ أن يُؤتى بها عبادةً، وإلّا فلم يؤتَ بما هو مقدّمة لها. فقصد القربة فيها إنّما هو لأجل كونها في نفسها أُموراً عباديّة ومستحباتٍ نفسيّة، لا لكونها مطلوبات غيريّة.

والاكتفاء بقصد أمرها الغيريّ، فإنّما (٢) هو لأجل أنّه يدعو إلى ما هو كذلك في نفسه، حيث إنّه لا يدعو إلّا إلى ما هو المقدّمة (٣)، فافهم.

__________________

(١) الأولى: إبدالها ب « التوابع » أو « الآثار » أو نحوهما ؛ لأن « التَبِعة » - كما في المجمع - هي المظلمة وكلّ ما فيه إثم.... منتهى الدراية ٢: ٢٥٩.

(٢) الأولى: إسقاط الفاء ( منتهى الدراية ٢: ٢٦٤ ).

(٣) دفع للإشكال المذكور في مطارح الأنظار ١: ٣٤٨ من أنّ لازم ذلك هو قصد الأمر النفسي في الإتيان بالطهارات، والمعلوم من طريقة الفقهاء هو الاكتفاء بايجادها بداعي الأمر المقدّمي.

التفصّي عن الإشكال بوجهين آخرين والجواب عنهما

وقد تُفُصّي عن الإشكال بوجهين آخَرين (١):

أحدهما: ما ملخّصه: أنّ الحركات الخاصّة ربما لا تكون محصِّلةً لما هو المقصود منها، من العنوان الّذي يكون (٢) بذاك العنوان مقدّمةً وموقوفاً عليها، فلابدّ في إتيانها بذاك العنوان من قصد أمرها ؛ لكونه لا يدعو إلّا إلى ما هو الموقوف عليه، فيكون عنواناً إجماليّاً ومرآةً لها، فإتيان الطهارات عبادةً وإطاعةً لأمرها، ليس لأجل أنّ أمرها المقدّميّ يقضي بالإتيان كذلك، بل إنّما كان لأجل إحراز نفس العنوان، الّذي يكون (٣) بذاك العنوان موقوفاً عليها.

وفيه: - مضافاً إلى أنّ ذلك لا يقتضي الإتيانَ بها كذلك ؛ لإمكان الإشارة إلى عناوينها الّتي تكون بتلك العناوين موقوفاً عليها بنحوٍ آخر، ولو بقصد أمرها وصفاً، لا غايةً وداعياً، بل كان الداعي إلى هذه الحركات الموصوفة بكونها مأموراً بها شيئاً آخر غيرَ أمرها -: أنّه (٤) غير وافٍ بدفع إشكال ترتّب المثوبة عليها، كما لا يخفى.

ثانيهما: ما محصّله: أنّ لزوم وقوع الطهارات عبادةً، إنّما يكون لأجل أنّ الغرض من الأمر النفسيّ بغاياتها كما لا يكاد يحصل بدون قصد التقرّب بموافقته، كذلك لا يحصل ما لم يؤتَ بها كذلك، لا باقتضاء أمرها الغيريّ.

__________________

(١) مذكورين في مطارح الأنظار ١: ٣٥٠ - ٣٥٢، وكتاب الطهارة ( للشيخ الأنصاري ) ٢: ٥٥.

(٢) الصواب: « تكون » ؛ لأنّ اسمها الضمير المؤنث المستتر الراجع إلى « الحركات ». ( منتهى الدراية ٢: ٢٦٨ ).

(٣) الصواب: « تكون » ؛ لرجوع الضمير المستتر فيه إلى الطهارات. راجع منتهى الدراية ٢: ٢٦٩.

(٤) أدرجنا كلمة « أنّه » من « ر »، ولا توجد في غيرها، وفي حقائق الأُصول ١: ٢٦٧: الظاهر أنّ أصل العبارة: أنّه غير وافٍ.