درس کفایه الاصول - جلد اول

جلسه ۱۰۷: مقدمه واجب ۲۷

 

بل في الحقيقة يكون هو الملاك لوقوع المقدّمة عبادةً ولو لم يقصد أمرها، بل ولو لم نقل بتعلّق الطلب بها أصلاً.

وهذا هو السرُّ في اعتبار قصد التوصّل في وقوع المقدّمة عبادةً.

لا ما تُوهّم (١) من أنّ المقدّمة إنّما تكون مأموراً بها بعنوان المقدّميّة (٢)، فلابدّ عند إرادة الامتثال بالمقدّمة من قصد هذا العنوان، وقصدُها كذلك لا يكاد يكون بدون قصد التوصّل إلى ذي المقدّمة بها.

فإنّه فاسدٌ جدّاً ؛ ضرورةَ أنّ عنوان المقدّميّة ليس بموقوف عليه الواجب، ولا بالحمل الشائع مقدّمة له، وإنّما كان المقدّمة هو نفس المعنونات بعناوينها الأوّليّة، والمقدّميّة إنّما تكون علّةً لوجوبها.

الأمر الرابع: [ تبعيّة وجوب المقدّمة لوجوب ذيها في الإطلاق والاشتراط ]

لا شبهة في أنّ وجوب المقدّمة - بناءً على الملازمة - يتبع في الإطلاق والاشتراط وجوبَ ذي المقدّمة، كما أشرنا إليه في مطاوي كلماتنا (٣).

كلام صاحب المعالم في تبعية وجوب المقدّمة لإرادة ذيها والإيراد عليه

ولا يكون مشروطاً بإرادته، كما يُوهمه ظاهرُ عبارة صاحب المعالم رحمه‌الله في بحث الضدّ، حيث (٤) قال: « وأيضاً فحجّة القول بوجوب المقدّمة (٥) - على تقدير تسليمها - إنّما تنهض دليلاً على الوجوب في حال كون المكلّف مريداً للفعل المتوقّف عليها، كما لا يخفى على من أعطاها حقّ النظر » (٦).

__________________

(١) في مطارح الأنظار ١: ٣٥٤ - ٣٥٥.

(٢) في « ق » و « ش »: المقدّمة.

(٣) في بدايات البحث عن الأمر الثالث في الصفحة: ١٤١. حيث قال: ثمّ الظاهر دخول المقدّمات الوجودية للواجب... غاية الأمر تكون في الإطلاق والاشتراط تابعة لذي المقدّمة.

(٤) أثبتنا « حيث » من « ر ».

(٥) المراد بها ما سيأتي من الاحتجاج بأنّه لو لم تجب لجاز تركها.

(٦) المعالم: ٧١.

وأنت خبير بأنّ نهوضها على التبعيّة واضحٌ لا يكاد يخفى، وإن كان نهوضها على أصل الملازمة لم يكن بهذه المثابة، كما لا يخفى.

هل يعتبر قصد التوصّل في المقدّمة أو ترتّب ذي المقدمة عليها ؟

وهل يُعتبر في وقوعها على صفة الوجوب أن يكون الإتيان بها بداعي التوصّل بها إلى ذي المقدّمة، كما يظهر ممّا نَسَبه إلى شيخنا العلّامة - أعلى الله مقامه - بعضُ أفاضل مقرّري بحثِه (١) ؟

أو ترتّب ذي المقدّمة عليها، بحيث لو لم يترتّب عليها لَكشف عن عدم وقوعها على صفة الوجوب، كما زعمه صاحب الفصول رحمه‌الله (٢) ؟

أو لا يعتبر في وقوعها كذلك شيءٌ منهما ؟

الظاهر: عدم الاعتبار:

المناقشة في اعتبار قصد التوصّل

أمّا عدم اعتبار قصد التوصّل: فلأجل أنّ الوجوب لم يكن بحكم العقل إلّا لأجل المقدّميّة والتوقّف، وعدم دخل قصد التوصّل فيه واضحٌ، ولذا اعترف بالاجتزاء بما لم يقصد به ذلك في غير المقدّمات العباديّة ؛ لحصول ذات الواجب (٣)، فيكون تخصيص الوجوب بخصوص ما قصد به التوصّل من المقدّمة بلا مخصِّص، فافهم.

نعم، إنّما اعتبر ذلك في الامتثال ؛ لما عرفت (٤) من أنّه لا يكاد يكون الآتي بها بدونه ممتثلاً لأمرها، وآخذاً في امتثال الأمر بذيها، فيثاب بثواب أشقّ الأعمال.

__________________

(١) راجع مطارح الأنظار ١: ٣٥٤، وكتاب الطهارة ٢: ٥٥، والذي يظهر من كلماته اختصاص النزاع بالمقدمات العباديّة، وأنّ قصد التوصّل شرط في عباديّة الواجب الغيري. ( حقائق الأُصول ١: ٢٧٠ ).

(٢) الفصول: ٨١ و٨٦.

(٣) مطارح الأنظار ١: ٣٥٤.

(٤) في التذنيب الثاني.

فيقع الفعل المقدّميّ على صفة الوجوب، ولو لم يُقصد به التوصّل - كسائر الواجبات التوصّليّة - لا على حكمه السابق الثابت له لولا عروض صفة توقّف الواجب الفعليّ المنجّز عليه (١).

فيقع الدخول في ملك الغير واجباً إذا كان (٢) مقدّمةً لإنقاذ غريقٍ أو إطفاء حريقٍ واجبٍ فعليٍّ، لا حراماً، وإن لم يلتفت إلى التوقّف والمقدّميّة.

غاية الأمر يكون حينئذٍ متجرّءاً فيه.

كما أنّه مع الالتفات يتجرّأ بالنسبة إلى ذي المقدّمة، في ما لم يقصد التوصّل إليه أصلاً.

وأمّا إذا قصده ولكنّه لم يأتِ بها بهذا الداعي، بل بداعٍ آخر أكّده بقصد التوصّل، فلا يكون متجرّءاً أصلاً.

وبالجملة: يكون التوصّل بها إلى ذي المقدّمة من الفوائد المترتّبة على المقدّمة الواجبة، لا أن يكون قصده قيداً وشرطاً لوقوعها على صفة الوجوب ؛ لثبوت ملاك الوجوب (٣) في نفسها بلا دخلٍ له فيه أصلاً، وإلّا لما حصل ذات الواجب، ولما سقط الوجوب به، كما لا يخفى.

ولا يقاس على ما إذا أتى بالفرد المحرّم منها ؛ حيث يسقط به الوجوب مع أنّه ليس بواجب ؛ وذلك لأنّ الفرد المحرَّم إنّما يسقط به الوجوب لكونه كغيره في حصول الغرض به بلا تفاوت أصلاً، إلّا أنّه لأجل (٤) وقوعه على صفة

__________________

(١) ينبغي ذكر كلمة « له » بعد قوله: « عليه » ليكون متعلقاً ب « عروض ». ( منتهى الدراية ٢: ٢٩٠ ).

(٢) في « ر » ومصحّح « ن » وحقائق الأُصول ومنتهى الدراية ما أثبتناه، وفي غيرها: إذا كانت.

(٣) في الأصل: لملاك ثبوت الوجوب.

(٤) في الأصل و « ن »: إلّا لأجل، وفي سائر الطبعات مثل ما أثبتناه.