درس کفایه الاصول - جلد اول

جلسه ۱۰۹: مقدمه واجب ۲۰

 

وأمّا ترتّب الواجب، فلا يعقل أن يكون الغرضَ الداعي إلى إيجابها والباعثَ على طلبها ؛ فإنّه ليس بأثر تمام المقدّمات - فضلاً عن إحداها - في غالب الواجبات ؛ فإنّ الواجب - إِلّا ما قلَّ - في الشرعيّات والعرفيّات فعلٌ اختياريٌّ يختار المكلّف تارةً إتيانه بعدَ وجود تمام مقدّماته، وأُخرى عدمَ إتيانه، فكيف يكون اختيار إتيانه (١) غرضاً من إيجاب كلّ واحدة من مقدّماته، مع عدم ترتّبه على تمامها (٢)، فضلاً عن كلّ واحدة منها ؟

نعم، في ما كان الواجب من الأفعال التسبيبيّة والتوليديّة، كان مترتّباً - لا محالة - على تمام مقدّماته ؛ لعدم تخلّف المعلول عن علّته.

ومن هنا قد انقدح: أنّ القول بالمقدّمة الموصلة يستلزم إنكارَ وجوب المقدّمة في غالب الواجبات، والقولَ بوجوب خصوص العلّة التامّة في خصوص الواجبات التوليديّة.

فإن قلت: ما من واجب إلّا وله علّة تامّة ؛ ضرورةَ استحالة وجود الممكن بدونها، فالتخصيص بالواجبات التوليديّة بلا مخصِّص.

قلت: نعم، وإن استحال صدور الممكن بلا علّة، إلّا أنّ مبادئ اختيار الفعل الاختياريّ من أجزاء علّته، وهي لا تكاد تتّصف بالوجوب ؛ لعدم كونها بالاختيار، وإلّا لتسلسل، كما هو واضح لمن تأمّل.

الإشكال الثاني

ولأنّه لو كان معتبراً فيه الترتّب لما كان الطلب يسقط بمجرّد الإتيان بها، من دون انتظارٍ لترتّب الواجب عليها، بحيث لا يبقى في البين إلّا طلبُه

__________________

(١) الأولى أن يقال: فكيف يكون ترتّب ذي المقدّمة على المقدّمة غرضاً. راجع منتهى الدراية ٢: ٣٠٣.

(٢) في حقائق الأُصول ومنتهى الدراية: على عامّتها.

وإيجابه، كما إذا لم تكن هذه بمقدّمته (١)، أو كانت حاصلة من الأوّل قبل إيجابه، مع أنّ الطلب لا يكاد يسقط إلّا بالموافقة، أو بالعصيان والمخالفة، أو بارتفاع موضوع التكليف - كما في سقوط الأمر بالكفن أو الدفن بسبب غرق الميّت أحياناً أو حرقه -، ولا يكون الإتيان بها - بالضرورة - من هذه الامور غيرِ الموافقة (٢).

إن قلت: كما يسقط الأمر بتلك (٣) الأُمور، كذلك يسقط بما ليس بالمأمور به في ما (٤) يحصل به الغرض منه، كسقوطه في التوصّليّات بفعل الغير أو المحرّمات.

قلت: نعم، ولكن لا محيص عن أن يكون ما يحصل به الغرض، من الفعل الاختياريّ للمكلّف متعلّقاً للطلب في ما لم يكن فيه مانع - وهو كونه بالفعل محرّماً - ؛ ضرورةَ أنّه لا يكون بينهما تفاوت أصلاً، فكيف يكون أحدهما متعلّقاً له فعلاً، دون الآخَر ؟

استدلال صاحب الفصول على وجوب خصوص المقدّمة الموصلة:

وقد استدلّ صاحب الفصول على ما ذهب إليه بوجوه، حيث قال - بعد بيان أنّ التوصّل بها إلى الواجب من قبيل شرط الوجود لها، لا من قبيل شرط الوجوب - ما هذا لفظه:

الدليل الأول

« والّذي يدلّك على هذا - يعني الاشتراط بالتوصّل - أنّ وجوب المقدّمة لمّا كان من باب الملازمة العقليّة، فالعقل لا يدلّ عليه زائداً على القدر المذكور.

__________________

(١) في « ن » وأكثر الطبعات: بمقدّمة.

(٢) هذا الإشكال أيضاً ذكره في مطارح الأنظار ١: ٣٧٦.

(٣) أثبتنا الكلمة من « ق » و « ش »، وفي غيرهما: في تلك.

(٤) الصواب: « ممّا » بدل: « في ما » ؛ ليكون بياناً للموصول في قوله: « بما ليس ». ( منتهى الدراية ٢: ٣٠٨ ).