درس کفایه الاصول - جلد اول

جلسه ۱۱۹: مقدمه واجب ۳۰

 

ولزومُ التفكيك بين الوجوبين مع الشكّ لا محالة ؛ - لأصالة عدم وجوب المقدّمة مع وجوب ذي المقدّمة - لا ينافي الملازمة بين الواقعيّين (١)، وإنّما ينافي الملازمة بين الفعليّين.

نعم، لو كانت الدعوى هي الملازمة المطلقة حتّى في المرتبة الفعليّة، لما صحّ التمسّك بالأصل (٢)، كما لا يخفى.

الاستدلال على وجوب المقدّمة

إذا عرفت ما ذكرنا: فقد تصدّى غير واحد من الأفاضل لإقامة البرهان على الملازمة، وما أتى منهم بواحدٍ خالٍ عن الخلل.

والأولى: إحالة ذلك إلى الوجدان ؛ حيث إنّه أقوى شاهدٍ على أنّ الإنسان إذا أراد شيئاً له مقدّمات، أراد تلك المقدّمات لو التفت إليها، بحيث ربّما يجعلها في قالب الطلب مثله، ويقول مولويّاً: « ادخل السوق واشتر اللحم » - مثلاً - ؛ بداهَة أنّ الطلب المُنشأ بخطاب: « ادخلْ » مثل المُنشأ بخطاب « اشترْ » في كونه بعثاً مولويّاً، وأنّه حيث تعلّقت إرادته بإيجاد عبده الاشتراء، ترشّحت منها له إرادة أُخرى بدخول السوق، بعد الالتفات إليه، وأنّه يكون مقدّمةً له، كما لا يخفى.

ويؤيّد (٣) الوجدانَ - بل يكون من أوضح البرهان -: وجودُ الأوامر الغيريّة

__________________

(١) في « ق » و « ش »: الواقعين.

(٢) في « ش »: « لصحّ التمسك بذلك في إثبات بطلانها ». وأدرج ما أثبتنا أعلاه في الهامش. قال المحقّق الشيخ علي القوچاني: الثابت بحسب الدورة الأخيرة قوله: « لما صحّ » وعرفت وجه عدم جريان الأصل في الحاشية السابقة، ولكن بحسب مباحثتي مع المصنّف ( طاب ثراه ) تسلّم أنّه يصحّ ثبت قوله: « لصحّ » أي: لصحّ التمسك بالأصل في إثبات بطلان الملازمة... ( كفاية الأُصول مع حاشية الشيخ علي القوچاني: ١١٠ )، وراجع أيضاً نهاية الدراية ٢: ١٦٨ - ١٦٩.

(٣) هذا التأييد ذكره الميرزا الشيرازي، انظر تقريرات الميرزا الشيرازي للعلّامة الروزدري ١: ٣٥٩.

في الشرعيّات والعرفيّات ؛ لوضوح أنّه لايكاد يتعلّق بمقدّمة أمرٌ غيريٌّ إلّا إذا كان فيها مناطُه. وإذا كان فيها كان في مثلها، فيصحّ تعلّقه به أيضاً ؛ لتحقّق ملاكه ومناطه.

والتفصيل بين السبب وغيره، والشرطِ الشرعيّ وغيره سيأتي بطلانَه، وأنّه لا تفاوت في باب الملازمة بين مقدّمةٍ ومقدّمة.

استدلال البصري على وجوب المقدّمة والإشكال عليه

ولا بأس بذكر الاستدلال الّذي هو كالأصل لغيره، - ممّا ذكره الأفاضل من الاستدلالات -، وهو ما ذكره أبو [ الحسين ](١) البصريّ، وهو: أنّه لو لم تجب المقدّمة لجاز تركها، وحينئذٍ فإن بقي الواجب على وجوبه يلزم التكليف بما لا يطاق، وإلّا خرج الواجب المطلق عن كونه واجباً (٢).

وفيه - بعد إصلاحه بإرادة « عدم المنع الشرعيّ » من التالي في الشرطيّة الأُولى، لا « الإباحِة الشرعيّة »، وإلّا كانت الملازمة واضحةَ البطلان، وإرادةِ « الترك » (٣) عمّا اضيف إليه الظرف، لا « نفسِ الجواز » (٤)، وإلّا فبمجرّد (٥) الجواز بدون الترك، لا يكاد يتوهّم صدق القضيّة الشرطيّة الثانية -: ما لا يخفى ؛ فإنّ الترك (٦)(٧) بمجرّد عدم المنع شرعاً لا يوجب صدق إحدى الشرطيّتين،

__________________

(١) في الأصل وطبعاته: « أبو الحسن »، والصحيح ما أثبتناه. راجع المعتمد لأبي الحسين البصري ١: ٩٤ ومطارح الأنظار ١: ٤٠٧.

(٢) أثبتنا العبارة كما وردت في « ر »، وفي غيرها: عن وجوبه.

(٣) حكي هذا عن المحقق السبزواري. راجع ضوابط الأُصول: ٨٤، ومطارح الأنظار ١: ٤٠٨.

(٤) هذا ما استفاده صاحب المعالم في معالمه: ٦٢.

(٥) في « ن » وبعض الطبعات: فمجرّد. وفي حقائق الأُصول: فمجرّد الجواز... لا يكاد يتوهّم معه صدق القضية.

(٦) هذا الكلام مذكور في مطارح الأنظار ١: ٤٠٨ في مقام الردّ على المحقّق السبزواري.

(٧) ينبغي أن تكون صورة الإيراد هكذا: إنّا نختار أن لا يبقى الواجب على وجوبه، ولا دليل على بطلان خروج الواجب عن كونه واجباً ؛ فإنّ ترك المقدّمة يوجب ترك ذيها، فيكون معصية ويسقط بها التكليف... فيكون محصّل الإيراد: المنع من بطلان أحد اللازمين مع الالتزام بصدق الشرطيّتين معاً، لا بطلان إحدى الشرطيّتين، كما قد يظهر من العبارة. ( حقائق الأُصول ١: ٢٩٨ ).

ولا يلزم (١) أحد المحذورين (٢) ؛ فإنّه وإن لم يبق له وجوب معه، إلّا أنّه كان ذلك بالعصيان ؛ لكونه متمكّناً من الإطاعة والإتيان، وقد اختار تركه بترك مقدّمته بسوء اختياره، مع حكم العقل بلزوم إتيانها، إرشاداً إلى ما في تركها من العصيان المستتبع للعقاب.

نعم، لو كان المراد من الجواز جوازَ الترك شرعاً وعقلاً للزم أحد المحذورين (٣)، إلّا أنّ الملازمة على هذا في الشرطيّة الأُولى ممنوعة ؛ بداهَة أنّه لو لم يجب شرعاً لا يلزم أن يكون جائزاً شرعاً وعقلاً ؛ لإمكان أن لا يكون محكوماً بحكمٍ شرعاً وإن كان واجباً (٤) عقلاً إرشاداً، وهذا واضح.

التفصيل بين السبب وغيره والإشكال فيه

وأمّا التفصيل بين السبب وغيره (٥): فقد استدلّ على وجوب السبب بأنّ التكليف لا يكاد يتعلق إلّا بالمقدور، والمقدور لا يكون إلّا هو السبب، وإنّما المسبّب من آثاره المترتّبة عليه قهراً، ولا يكون من أفعال المكلّف وحركاته أو سكناته، فلابدّ من صرف الأمر المتوجّه إليه عنه إلى سببه.

ولا يخفى ما فيه: من (٦) أنّه ليس بدليل على التفصيل، بل على أنّ الأمر

__________________

(١) في حقائق الأُصول: ولا يلزم منه أحد....

(٢) بل يلزم أحدهما إلّا أنّه ليس بمحذور، كما عرفت. ( حقائق الأُصول ١: ٢٩٨ ).

(٣) لا يخلو من مسامحة، والمراد: يكون كل منهما محذوراً. ( حقائق الأُصول ١: ٢٩٩ ).

(٤) الأولى أن يقال: « واجبة »، وكذا تأنيث الضمائر التي قبله ؛ لرجوعها إلى « المقدمة » وإن كان الأمر في التذكير والتأنيث سهلاً. ( منتهى الدراية ٢: ٤٠٦ ).

(٥) هذا التفصيل منسوب إلى السيّد المرتضى، راجع الذريعة ١: ٨٣.

(٦) في هامش « ش » كتبت: « مع » بدل « من » نقلاً عن نسخة من الكتاب.

النفسيّ إنّما يكون متعلّقاً بالسبب دون المسبّب، مع وضوح فساده ؛ ضرورةَ أنّ المسبّب مقدور المكلّف، وهو متمكّن منه بواسطة السبب، ولا يعتبر في التكليف أزيد من القدرة، كانت بلا واسطة أو معها، كما لا يخفى.

التفصيل بين الشرط الشرعي وغيره والإشكال عليه

وأمّا التفصيل بين الشرط الشرعيّ وغيره (١): فقد استدلّ على الوجوب في الأوّل: بأنّه لولا وجوبه شرعاً لما كان شرطاً ؛ حيث إنّه ليس ممّا لابدّ منه عقلاً أو عادةً.

وفيه - مضافاً إلى ما عرفت (٢) من رجوع الشرط الشرعيّ إلى العقليّ -: أنّه لا يكاد يتعلّق الأمر الغيريّ إلّا بما هو مقدّمة الواجب، فلو كانت (٣) مقدّميّته متوقّفة على تعلّقه بها لدار.

والشرطيّة وإن كانت منتزعةً عن التكليف، إلّا أنّه عن التكليف النفسيّ المتعلّق بما قيّد بالشرط، لا عن الغيريّ، فافهم.

مقدّمة المستحبّ والحرام والمكروه

تتمّة:

لاشبهة في أنّ مقدّمة المستحبّ كمقدّمة الواجب، فتكون مستحبّة لو قيل بالملازمة.

وأمّا مقدّمة الحرام والمكروه فلا تكاد تتّصف بالحرمة أو الكراهة ؛ إذ منها ما يتمكّن معه من ترك الحرام أو المكروه اختياراً، كما كان متمكّناً قبله، فلا دَخْلَ له أصلاً في حصول ما هو المطلوب من ترك الحرام أو المكروه، فلم يترشّح من طلبه طلبُ ترك مقدّمتهما.

__________________

(١) وهو منسوب إلى الحاجبي. انظر هداية المسترشدين ٢: ١٠٤، ومطارح الأنظار ١: ٤٤٧.

(٢) في تقسيم المقدّمة إلى العقليّة والشرعيّة والعاديّة، في الصفحة ١٣٢.

(٣) أثبتنا الكلمة من منتهى الدراية، وفي غيره: كان.