درس کفایه الاصول - جلد دوم

جلسه ۱۰: اجتماع امر و نهی ۸

 

وأمّا لو قيل بعدم التزاحم إلّا في مقام فعليّة الأحكام، لكان ممّا تَسَعه، وامتثالاً لأمرها بلا كلام.

وقد انقدح بذلك: الفرقُ بين ما إذا كان دليلا الحرمة والوجوب متعارضين، وقُدِّم دليلُ الحرمة تخييراً أو ترجيحاً، حيث لا يكون معه مجالٌ للصحّة أصلاً، وبين ما إذا كانا من باب الاجتماع، وقيل بالامتناع، وتقديمِ جانب الحرمة، حيث يقع صحيحاً في غير موردٍ من موارد الجهل والنسيان ؛ لموافقته للغرض بل للأمر.

ومن هنا عُلم: أنّ الثواب عليه من قبيل الثواب على الإطاعة، لا الانقياد ومجرّدِ اعتقاد الموافقة.

وقد ظهر بما ذكرناه: وجهُ حكم الأصحاب بصحّة الصلاة في الدار المغصوبة مع النسيان أو الجهل بالموضوع، بل أو الحكم، إذا كان عن قصور، مع أنّ الجلّ - لولا الكلّ - قائلون بالامتناع وتقديم الحرمة، ويحكمون بالبطلان في غير موارد العذر. فلتكن من ذلك على ذُكر.

الحقّ هو: القول بالامتناع

إذا عرفت هذه الأُمور فالحقّ هو: القول بالامتناع، كما ذهب إليه المشهور. وتحقيقه - على وجهٍ يتّضح به فساد ما قيل أو يمكن أن يقال، من وجوه الاستدلال لسائر الأقوال - يتوقّف على:

مقدّمات الاستدلال:

تمهيد مقدّمات:

١ - تضادّ الأحكام الخمسة

إحداها: أنّه لا ريب في أنّ الأحكام الخمسة متضادّة في مقام فعليّتها، وبلوغِها إلى مرتبة البعث والزجر ؛ ضرورة ثبوت المنافاة والمعاندة التامّة بين البعث نحوَ واحدٍ في زمانٍ، والزجرِ عنه في ذاك الزمان، وإن لم يكن بينها

مضادّة ما لم تبلغ إلى تلك المرتبة ؛ لعدم المنافاة والمعاندة بين وجوداتها الإنشائيّة قبل البلوغ إليها، كما لايخفى.

فاستحالة اجتماع الأمر والنهي في واحد لا تكون من باب التكليف بالمحال، بل من جهة أنّه بنفسه محال، فلا يجوز عند من يجوّز التكليف بغير المقدور أيضاً.

٢ - تعلّق الأحكام بأفعال المكلّفين لا بعناوينها

ثانيتها: أنّه لا شبهة في أنّ متعلّق الأحكام هو فعل المكلّف، وما هو في الخارج يصدر عنه، وما هو فاعله وجاعله (١)، لا ما هو اسمه - وهو واضح -، ولا ما هو عنوانه ممّا قد انتُزع عنه - بحيث لولا انتزاعه تصوّراً واختراعه ذهناً، لَما كان بحذائه شيءٌ خارجاً - ويكون خارج المحمول (٢)، كالملكيّة والزوجيّة والرقيّة والحرّيّة والغصبيّة... إلى غير ذلك من الاعتبارات والإضافات ؛ ضرورة أنّ البعث ليس نحوَه، والزجرَ لا يكون عنه، وإنّما يؤخذ في متعلّق الأحكام آلةً للحاظ متعلّقاتها، والإشارةِ إليها بمقدار الغرض منها والحاجةِ إليها، لا بما هو هو وبنفسه، وعلى استقلاله وحياله.

٣ - تعدّد العنوان لا يوجب تعدّدَ المعنون وجوداً

ثالثتها: انّه لا يوجب تعدُّدُ الوجه والعنوان تعدُّدَ المعنون، ولا ينثلم به وحدتُه ؛ فإنّ المفاهيم المتعدّدة والعناوين الكثيرة ربما تنطبق على الواحد، وتصدق على الفارد الّذي لا كثرة فيه من جهةٍ، بل بسيطٌ من جميع الجهات، ليس فيه « حيثٌ » غير « حيثٍ »، وجهةٌ مغايرة لجهةٍ أصلاً، كالواجب - تبارك وتعالى -، فهو على بساطته ووحدته وأحديّته، تصدق عليه مفاهيم الصفات

__________________

(١) أثبتنا العبارة من « ر ». وفي غيرها: وهو فاعله وجاعله.

(٢) كذا، والأوفق بمعنى الاصطلاح: الخارج المحمول.

الجلاليّة والجماليّة، له الأسماء الحسنى والأمثال العليا، لكنّها بأجمعها حاكية عن ذاك (١) الواحد الفرد الأحد.

عباراتنا شتّى وحُسنك واحدٌ

وكلٌّ إلى ذاك الجمال يشير

٤ - الواحدوجوداً واحدٌ ماهيّةً

رابعتها: انّه لا يكاد يكون للموجود بوجودٍ واحد، إلّا ماهيّةً واحدة وحقيقةً فاردة، لا يقع في جواب السؤال عن حقيقته بما هو إلّا تلك الماهيّة، فالمفهومان المتصادقان على ذاك لا يكاد يكون كلٌّ منهما ماهيّةً وحقيقة، وكانت (٢) عينَه في الخارج، كما هو شأن الطبيعيّ وفرده، فيكون الواحد وجوداً، واحداً ماهيّةً وذاتاً لا محالة، فالمجمع وإن تصادق عليه متعلّقا الأمر والنهي، إلّا أنّه كما يكون واحداً وجوداً، يكون واحداً ماهيّةً وذاتاً، ولا يتفاوت فيه القول بأصالة الوجود أو أصالة الماهيّة.

مناقشة ما أفاده في الفصول في ابتناء المسألة

ومنه ظهر عدم ابتناء القول بالجواز والامتناع في المسألة على القولين في تلك المسألة، كما توهّم في الفصول (٣).

كما ظهر عدم الابتناء على تعدّد وجود الجنس والفصل في الخارج، وعدمِ تعدّده (٤) ؛ ضرورةَ عدم كون العنوانين المتصادقين عليه من قبيل الجنس

__________________

(١) في « ر » ومنتهى الدراية: ذلك.

(٢) الأولى: إسقاطه ( كانت ) ليكون « عينه » معطوفاً على « ماهية » يعني: ولا يكاد كل من المفهومين ماهية وعينه في الخارج، أو تبديل « كانت » ب « تكون » ليصير معطوفاً على « يكون ». ( منتهى الدراية ٣: ١٨١ ).

(٣) راجع الفصول: ١٢٦.

(٤) المصدر السابق، وصريح عبارته هو ابتناء الدليل الأول ( الذي ذكره ) للامتناع على الأصلين: أصالة الوجود واتحاد الجنس والفصل، لا ابتناء الخلاف في المسألة عليهما. ومن هنا قال بعد ذلك: ولنا أن نقرّر الدليل على وجه لا يبتني على هذا الأصل، يعني الأصل الثاني، فلاحظ. ( حقائق الأُصول ١: ٣٧٢ ) وراجع كفاية الأُصول مع حاشية المشكيني ٢: ١٣٨.