درس کفایه الاصول - جلد دوم

جلسه ۱۳: اجتماع امر و نهی ۱۱

 

تقتضي الإثنينيّة بحسب الوجود، ولا تعدُّدَ كما هو واضح - أنّه إنّما يُجدي لو لم يكن المجمع واحداً ماهيّةً، وقد عرفت - بما لا مزيد عليه - أنّه بحسبها أيضاً واحد.

أدلّة القول بجواز الاجتماع:

ثمّ إنّه قد استدلّ على الجواز (١) بأُمور:

الدليل الأول: الوقوع

منها: أنّه لو لم يجز اجتماع الأمر والنهي لما وقع نظيرُه، وقد وقع، كما في العبادات المكروهة، كالصلاة في مواضع التُّهمة وفي الحمّام، والصيام في السفر وفي بعض الأيّام.

بيان الملازمة: أنّه لو لم يكن تعدّد الجهة مجدياً في إمكان اجتماعهما، لما جاز اجتماع حكمين آخرين في موردٍ مع تعدّدها ؛ لعدم اختصاصهما من بين الأحكام بما يوجب الامتناع من التضادّ ؛ بداهةَ تضادّها بأسرها، والتالي باطلٌ ؛ لوقوع اجتماع الكراهة والإيجاب أو الاستحباب في مثل الصلاة في الحمّام، والصيام في السفر وفي عاشوراء - ولو في الحضر -، واجتماعِ الوجوب أو الاستحباب مع الإباحة أو الاستحباب في مثل الصلاة في المسجد أو الدار (٢).

والجواب عنه:

الجواب عنه إجمالاً

أمّا إجمالاً: فبأنّه لابدّ من التصرّف والتأويل في ما وقع في الشريعة ممّا ظاهره الاجتماع، بعدَ قيام الدليل على الامتناع ؛ ضرورةَ أنّ الظهور

__________________

(١) حقّ العبارة أن تكون هكذا: ثمّ إنه قد استدلّ على الجواز - مضافاً إلى الوجهين المزبورين - بأُمور أُخر.. ( منتهى الدراية ٣: ١٠٢ ).

(٢) الدليل وتقريبه مذكوران في القوانين ١: ١٤٢ - ١٤٣.

لا يصادم البرهان.

مع أنّ قضيّة ظهور تلك الموارد: اجتماعُ الحكمين فيها بعنوانٍ واحد، ولا يقول الخصم بجوازه كذلك، بل بالامتناع ما لم يكن بعنوانين وبوجهين.

فهو أيضاً لابدّ له من التفصّي عن إشكال الاجتماع فيها، لا سيّما إذا لم يكن هناك مندوحة، كما في العبادات المكروهة الّتي لا بدل لها، فلا يبقى له مجال للاستدلال بوقوع الاجتماع فيها على جوازه أصلاً، كما لا يخفى.

الجواب عنه تفصيلاً

وأمّا تفصيلاً: فقد اجيب عنه بوجوه، يوجب ذكرها - بما فيها من النقض والإبرام - طولَ الكلام بما لا يسعه المقام.

فالأولى: الاقتصار على ما هو التحقيق في حَسْم مادّة الإشكال، فيقال - وعلى الله الاتّكال -:

أقسام العبادات المكروهة

إنّ العبادات المكروهة على ثلاثة أقسام:

أحدها: ما تعلّق به النهي بعنوانه وذاته، ولا بدل له، كصوم يوم عاشوراء، والنوافل المبتدأة في بعض الأوقات.

ثانيها: ما تعلّقَ به النهي كذلك، ويكون له البدل، كالنهي عن الصلاة في الحمّام.

ثالثها: ما تعلّق النهي به لا بذاته، بل بما هو مجامع معه وجوداً، أو ملازمٌ له خارجاً، كالصلاة في مواضع التُّهمة، بناءً على كون النهي عنها لأجل اتّحادها مع الكون في مواضعها.

تحقيق الكلام في القسم الأول

أمّا القسم الأوّل: فالنهي تنزيهاً عنه - بعد الإجماع على أنّه يقع صحيحاً (١)،

__________________

(١) راجع جواهر الكلام ١٧: ١٠٥.

ومع ذلك يكون تركه أرجح، كما يظهر من مداومة الأئمّة عليهم‌السلام على الترك (١) -:

إمّا لأجل انطباق عنوانٍ ذي مصلحةٍ (٢) على الترك، فيكون الترك - كالفعل - ذا مصلحةٍ موافقةٍ للغرض، وإن كان مصلحة الترك أكثر، فهما حينئذٍ يكونان من قبيل المستحبّين المتزاحمين، فيحكم بالتخيير بينهما لو لم يكن أهمّ في البين، وإلّا فيتعيّن الأهمّ، وإن كان الآخر يقع صحيحاً ؛ حيث إنّه كان راجحاً وموافقاً للغرض، كما هو الحال في سائر المستحبّات المتزاحمات، بل الواجبات.

وأرجحيّة الترك من الفعل لا توجب حزازة ومنقصة فيه أصلاً (٣) *، كما يوجبها ما إذا كان فيه مفسدةً غالبةً على مصلحته، ولذا لا يقع صحيحاً على

__________________

(١) وسائل الشيعة ١٠: ٤٥٧، باب استحباب صوم يوم التاسع والعاشر من المحرم حزناً.

(٢) في نهاية الدراية ٢: ٣٣٠: « راجح » بدل: ذي مصلحة.

(٣)( * ) ربّما يقال: إنّ أرجحيّة الترك وإن لم توجب منقصةً وحزازة في الفعل أصلاً، إلّا أنّه توجب المنع منه فعلاً، والبعث إلى الترك قطعاً، كما لا يخفى. ولذا كان ضدّ الواجب - بناءً على كونه مقدّمةً له - حراماً، ويفسد لو كان عبادة. مع أنّه لا حزازة في فعله، وإنّما كان النهي عنه وطلب تركه لما فيه من المقدّميّة له، وهو على ما هو عليه من المصلحة، فالمنع عنه لذلك كافٍ في فساده لو كان عبادة.

قلت: يمكن أن يقال: إنّ النهي التحريميّ لذلك وإن كان كافياً في ذلك بلا إشكالٍ، إلّا أنّ التنزيهيّ غير كافٍ، إلّا إذا كان عن حزازة فيه ؛ وذلك لبداهة عدم قابليّة الفعل للتقرّب به منه - تعالى - مع المنع عنه وعدم ترخيصه في ارتكابه. بخلاف التنزيهيّ عنه إذا كان لا لحزازة فيه، بل لما في الترك من المصلحة الراجحة، حيث إنّه معه مرخّص فيه، وهو على ما هو عليه من الرجحان والمحبوبيّة له - تعالى -، ولذلك لم تفسد العبادة إذا كانت ضدّاً لمستحبّة أهمّ اتّفاقاً، فتأمّل. ( منه قدس‌سره ).