درس کفایه الاصول - جلد دوم

جلسه ۱۶: اجتماع امر و نهی ۱۴

 

تحقيق الكلام في القسم الثالث

وأمّا القسم الثالث: فيمكن أن يكون النهي فيه عن العبادة - المتّحدة مع ذاك العنوان، أو الملازمةِ له - بالعرض والمجاز، وكان المنهيّ عنه به حقيقةً ذاك العنوان.

ويمكن أن يكون - على الحقيقة - إرشاداً إلى غيرها من سائر الأفراد، ممّا لا يكون متّحداً معه أو ملازماً له ؛ إذ المفروض: التمكّن من استيفاء مزيّة العبادة بلا ابتلاءٍ بحزازةِ ذاك العنوان أصلاً.

هذا على القول بجواز الاجتماع.

وأمّا على الامتناع: فكذلك في صورة الملازمة. وأمّا في صورة الاتّحاد وترجيح جانب الأمر - كما هو المفروض، حيث إنّه صحّة العبادة - فيكون حال النهي فيه حاله في القسم الثاني، فيحمل على ما حُمِل عليه فيه، طابق النعل بالنعل، حيث إنّه بالدقّة يرجع إليه ؛ إذ على الامتناع ليس الاتّحاد مع العنوان الآخر إلّا من مخصِّصاته ومشخِّصاته، الّتي تختلف الطبيعة المأمور بها في المزيّة - زيادةً ونقيصةً - بحسب اختلافها في الملائمة، كما عرفت.

وقد انقدح بما ذكرناه: أنّه لا مجال أصلاً لتفسير الكراهة في العبادة بأقلّيّة الثواب في القسم الأوّل مطلقاً، وفي هذا القسم على القول بالجواز.

كما انقدح حالُ اجتماع الوجوب والاستحباب فيها، وأنّ الأمر الاستحبابيّ يكون على نحو الإرشاد إلى أفضل الأفراد مطلقاً على نحو الحقيقة، ومولويّاً اقتضائيّاً كذلك، وفعليّاً بالعرض والمجاز في ما كان ملاكه ملازمتها لما هو مستحبّ، أو متّحد معه (١) على القول بالجواز.

__________________

(١) في مصحّح « ن »: أو متحدة معه. قال في منتهى الدراية ٣: ٢٢٧: العبارة لا تخلو عن اضطراب ؛ لأنّ قوله: « متحد » معطوف على « ملازمتها » ليكون المراد به مولوية الأمر الندبي اقتضاءً حقيقة، كي يصير مثالاً لقوله: « ومولوياً اقتضائياً كذلك » فالصواب حينئذ: تبديل « متحد » ب « اتحاد ». والحاصل: أنّ حقّ العبارة أن تكون هكذا: وفعلياً بالعرض والمجاز، في ما كان ملاكه ملازمتها أو اتحادها مع ما هو مستحب.

ولا يخفى: أنّه لايكاد يأتي القسم الأوّل هاهنا (١) ؛ فإنّ انطباق عنوان راجح على الفعل الواجب الّذي لا بدل له إنّما يؤكّد إيجابه، لا أنّه يوجب استحبابه أصلاً، ولو بالعرض والمجاز، إلّا على القول بالجواز. وكذا في ما إذا لازَمَ مثلَ هذا العنوان، فإنّه لو لم يؤكّد الإيجاب لما يصحَّح (٢) الاستحباب إلّا اقتضائيّاً بالعرض والمجاز. فتفطّن.

الدليل الثاني على جواز الاجتماع والجواب عنه

ومنها: أنّ أهل العرف يعدّون من أتى بالمأمور به في ضمن الفرد المحرّم، مطيعاً وعاصياً من وجهين، فإذا أمر المولى عبده بخياطة ثوب، ونهاه عن الكون في مكان خاصّ - كما مثّل به الحاجبيّ والعضديّ (٣) - فلو خاطه في ذاك المكان، عُدَّ مطيعاً لأمر الخياطة، وعاصياً للنهي عن الكون في ذلك المكان (٤).

وفيه: - مضافاً إلى المناقشة في المثال بأنّه ليس من باب الاجتماع ؛ ضرورةَ أنّ الكون المنهيّ عنه غيرُ متّحد مع الخياطة وجوداً أصلاً، كما لا يخفى - المنعُ إلّا عن صدق أحدهما: إمّا الإطاعة بمعنى الامتثال في ما غلب جانب الأمر، أو العصيان في ما غلب جانب النهي ؛ لما عرفت من البرهان على الامتناع.

__________________

(١) الظاهر: أنّه حُذف هنا جملة: « ما ذكر »، فالصواب أن يقال: لا يكاد يأتي ما ذكر في القسم الأول هاهنا. ( منتهى الدراية ٣: ١٣٦ ).

(٢) في « ش »: « لما يصحّ ». ولعلّ الأنسب: لم يصحّ.

(٣) شرح العضدي على مختصر الحاجبي ١: ٩٢ - ٩٣.

(٤) راجع القوانين ١: ١٤٨.

نعم، لا بأس بصدق الإطاعة - بمعنى حصول الغرض - والعصيانِ في التوصّليّات. وأمّا في العبادات فلا يكاد يحصل الغرض منها إلّا في ما صدر من المكلّف فعلاً غير محرّم وغير مبغوض عليه، كما تقدّم (١).

القول بالجواز عقلاً والامتناع عرفاً والمناقشة فيه

بقي الكلام في حال التفصيل من بعض الأعلام، والقول بالجواز عقلاً، والامتناع عرفاً (٢).

وفيه: أنّه لا سبيل للعرف في الحكم بالجواز أو الامتناع إلّا طريق العقل، فلا معنى لهذا التفصيل إلّا ما أشرنا إليه من النظر المسامحيّ غير المبتني على التدقيق والتحقيق. وأنت خبير بعدم العبرة به، بعد الإطّلاع على خلافه بالنظر الدقيق.

وقد عرفت في ما تقدّم (٣): أنّ النزاع ليس في خصوص مدلول صيغة الأمر والنهي، بل في الأعمّ، فلا مجال لأن يتوهّم أنّ العرف هو المحكّم في تعيين المداليل، ولعلّه كان بين مدلوليهما - حسب تعيينه - تنافٍ لا يجتمعان في واحد ولو بعنوانين، وإن كان العقل يرى جواز اجتماع الوجوب والحرمة في واحد بوجهين، فتدبّر.

__________________

(١) في الأمر العاشر من مقدّمات هذا الفصل.

(٢) قال في مطارح الأنظار ١: ٦١١: نسبه بعضهم إلى الأردبيلي في شرح الإرشاد ( مجمع الفائدة والبرهان ٢: ١١٠ - ١١٢ ). ثمّ أنكر هذه الاستفادة من كلامه وقال: وقد يُنسب ذلك إلى فاضل الرياض، وكأنّه مسموع منه شفاهاً. وقال في موردٍ آخر ( مطارح الأنظار ١: ٦٩٥ ): ويظهر ذلك من سلطان المحقّقين أيضاً في تعليقاته على المعالم، والمحقّق القمّي.

(٣) في الأمر الرابع من مقدّمات هذا الفصل.