درس کفایه الاصول - جلد دوم

جلسه ۱۹: اجتماع امر و نهی ۱۷

 

إن قلت: كيف لا يجديه، ومقدّمة الواجب واجبة ؟

قلت: إنّما تجب المقدّمة لو لم تكن محرّمة، ولذا لا يترشّح الوجوب من الواجب إلّا على ما هو المباح من المقدّمات، دون المحرّمة، مع اشتراكهما في المقدّميّة.

وإطلاق الوجوب (١) بحيث ربما يترشّح منه الوجوب عليها مع انحصار المقدّمة بها، إنّما هو في ما إذا كان الواجب أهمَّ من ترك المقدّمة المحرّمة، والمفروض هاهنا وإن كان ذلك، إلّا أنّه كان بسوء الاختيار، ومعه لا يتغيّر عمّا هو عليه من الحرمة والمبغوضيّة، وإلّا لكانت الحرمة معلّقةً على إرادة المكلّف واختياره لغيره، وعدمُ حرمته مع (٢) اختياره له، وهو كما ترى، مع أنّه خلاف الفرض، وأنّ الاضطرار يكون بسوء الاختيار.

٣ - مختار الشيخ الأنصاريّ

إن قلت: إنّ التصرّف في أرض الغير بدون إذنه بالدخول والبقاء حرامٌ بلا إشكال ولا كلام. وأمّا التصرّف بالخروج الّذي يترتّب عليه رفع الظلم، ويتوقّف عليه التخلّص عن التصرّف الحرام، فهو ليس بحرام في حالٍ من الحالات، بل حاله مثل حال (٣) شرب الخمر، المتوقّف عليه النجاة من الهلاك، في الاتّصاف بالوجوب في جميع الأوقات.

ومنه ظهر المنع عن كون جميع أنحاء التصرّف في أرض الغير - مثلاً - حراماً قبل الدخول، وأنّه يتمكّن من ترك الجميع حتّى الخروج ؛ وذلك لأنّه

__________________

(١) في « ر »: وإطلاق الوجوب وأهميّة الواجب.

(٢) الظاهر: كون كلمة « مع » غلطاً، وحقّ العبارة أن يقال: على اختياره له ( كفاية الأُصول مع حاشية المشكيني ٢: ١٦٩ )، وراجع منتهى الدراية ٣: ١٥٥.

(٣) أثبتنا العبارة من « ر »، « ق »، « ش » وفي غيرها: بل حاله حال مثل.

لو لم يدخل لما كان متمكّناً من الخروج وتركِه. وتركُ الخروج بترك الدخول رأساً ليس في الحقيقة إلّا ترك الدخول. فمن لم يشرب الخمر ؛ لعدم وقوعه في المهلكة الّتي يعالجها به - مثلاً - لم يصدق عليه إلّا: أنّه لم يقع في المهلكة، لا: أنّه ما شرب الخمر فيها، إلّا على نحو السالبة المنتفية بانتفاء الموضوع، كما لا يخفى.

وبالجملة: لا يكون الخروج - بملاحظة كونه مصداقاً للتخلّص عن الحرام أو سبباً له - إلّا مطلوباً، ويستحيل أن يتّصف بغير المحبوبيّة، ويحكم عليه بغير المطلوبيّة.

قلت: هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب الاستدلال على كون ما انحصر به التخلّص مأموراً به. وهو موافق لما أفاده شيخنا العلّامة أعلى الله مقامه - على ما في تقريرات بعض الأجلّة (١) -.

الإشكال في ما أفاده الشيخ الأنصاري

لكنّه لا يخفى: أنّ ما به التخلّص عن فعل الحرام أو ترك الواجب، إنّما يكون حَسَناً عقلاً، ومطلوباً شرعاً بالفعل - وإن كان قبيحاً ذاتاً - إذا لم يتمكّن المكلّف من التخلّص بدونه، ولم يقع بسوء اختياره: إمّا (٢) في الاقتحام في ترك الواجب، أو فعلِ الحرام، وإمّا في (٣) الإقدام على ما هو قبيح وحرام، لولا أنّ به (٤) التخلّص بلا كلامٍ، كما هو المفروض فى المقام ؛ ضرورة تمكّنه منه قبل اقتحامه فيه بسوء اختياره.

__________________

(١) مطارح الأنظار ١: ٧٠٩.

(٢) شطب على « إمّا » في « ق ».

(٣) شطب على « إمّا في » في « ق ».

(٤) في « ق » و « ش »: لولا به.

وبالجملة: كان قبل ذلك متمكّناً من التصرّف خروجاً، كما يتمكّن منه دخولاً، غاية الأمر يتمكّن منه بلا واسطة، ومنه بالواسطة. ومجرّدُ عدم التمكّن منه إلّا بواسطةٍ لا يُخرجه عن كونه مقدوراً، كما هو الحال في البقاء، فكما يكون تركه مطلوباً في جميع الأوقات، فكذلك الخروج، مع أنّه مثله في الفرعيّة على الدخول، فكما لا تكون الفرعيّة مانعةً عن مطلوبيّته قبلَه وبعدَه، كذلك لم تكن مانعةً عن مطلوبيّته، وإن كان العقل يحكم بلزومه، إرشاداً إلى اختيار أقلّ المحذورين وأَخفّ القبيحين.

حكم شرب الخمر علاجاً

ومن هنا ظهر حال شرب الخمر علاجاً وتخلّصاً عن المهلكة، وأنّه إنّما يكون مطلوباً على كلّ حالٍ لو لم يكن الاضطرار إليه بسوء الاختيار، وإلّا فهو على ما هو عليه من الحرمة، وإن كان العقل يُلزمه، إرشاداً إلى ما هو أهمّ وأولى بالرعاية من تركه ؛ لكون الغرض فيه أعظم.

فمن تَرَكَ الاقتحام في ما يؤدّي إلى هلاك النفس، أو شَربَ الخمر لئلّا يقع في أشدّ المحذورين منهما، فيصدق (١) أنّه تَرَكَهما، ولو بتركه ما لو فَعَلَه لأدّى - لا محالة - إلى أحدهما، كسائر الأفعال التوليديّة (٢)، حيث يكون العمدُ إليها بالعمد إلى أسبابها، واختيارُ تركها بعدم العمد إلى الأسباب، وهذا يكفي في استحقاق العقاب على الشرب للعلاج، وإن كان لازماً عقلاً، للفرار عمّا هو أكثر عقوبةً.

__________________

(١) كذا، والأولى: « يصدق » كما استظهر في هامش « ق » و « ش ».

(٢) كان الأولى أن يقول: نظير الأفعال التوليديّة ؛ فإنّ شرب الخمر ليس من الأفعال التوليديّة. ( حقائق الأُصول ١: ٣٩٧ ) وراجع كفاية الأُصول مع حاشية المشكيني ٢: ١٧٣.