درس کفایه الاصول - جلد دوم

جلسه ۲۰: اجتماع امر و نهی ۱۸

 

وبالجملة: كان قبل ذلك متمكّناً من التصرّف خروجاً، كما يتمكّن منه دخولاً، غاية الأمر يتمكّن منه بلا واسطة، ومنه بالواسطة. ومجرّدُ عدم التمكّن منه إلّا بواسطةٍ لا يُخرجه عن كونه مقدوراً، كما هو الحال في البقاء، فكما يكون تركه مطلوباً في جميع الأوقات، فكذلك الخروج، مع أنّه مثله في الفرعيّة على الدخول، فكما لا تكون الفرعيّة مانعةً عن مطلوبيّته قبلَه وبعدَه، كذلك لم تكن مانعةً عن مطلوبيّته، وإن كان العقل يحكم بلزومه، إرشاداً إلى اختيار أقلّ المحذورين وأَخفّ القبيحين.

حكم شرب الخمر علاجاً

ومن هنا ظهر حال شرب الخمر علاجاً وتخلّصاً عن المهلكة، وأنّه إنّما يكون مطلوباً على كلّ حالٍ لو لم يكن الاضطرار إليه بسوء الاختيار، وإلّا فهو على ما هو عليه من الحرمة، وإن كان العقل يُلزمه، إرشاداً إلى ما هو أهمّ وأولى بالرعاية من تركه ؛ لكون الغرض فيه أعظم.

فمن تَرَكَ الاقتحام في ما يؤدّي إلى هلاك النفس، أو شَربَ الخمر لئلّا يقع في أشدّ المحذورين منهما، فيصدق (١) أنّه تَرَكَهما، ولو بتركه ما لو فَعَلَه لأدّى - لا محالة - إلى أحدهما، كسائر الأفعال التوليديّة (٢)، حيث يكون العمدُ إليها بالعمد إلى أسبابها، واختيارُ تركها بعدم العمد إلى الأسباب، وهذا يكفي في استحقاق العقاب على الشرب للعلاج، وإن كان لازماً عقلاً، للفرار عمّا هو أكثر عقوبةً.

__________________

(١) كذا، والأولى: « يصدق » كما استظهر في هامش « ق » و « ش ».

(٢) كان الأولى أن يقول: نظير الأفعال التوليديّة ؛ فإنّ شرب الخمر ليس من الأفعال التوليديّة. ( حقائق الأُصول ١: ٣٩٧ ) وراجع كفاية الأُصول مع حاشية المشكيني ٢: ١٧٣.

ولو سُلّم عدمُ الصدق إلّا بنحو السالبة المنتفية بانتفاء الموضوع، فهو غير ضائرٍ، بعدَ تمكّنه من الترك - ولو على نحو هذه السالبة -، ومن الفعل بواسطة تمكّنه ممّا هو من قبيل الموضوع في هذه السالبة، فيوقع نفسَه - بالاختيار - في المهلكة، أو يدخل الدار، فيعالج بشرب الخمر، ويتخلّص بالخروج، أو يختار تركَ الدخول والوقوعِ فيها (١)، لئلّا يحتاج إلى التخلّص والعلاج.

إن قلت: كيف يقع مثل الخروج والشرب ممنوعاً عنه شرعاً، ومعاقباً عليه عقلاً (٢)، مع بقاء ما يتوقّف عليه على وجوبه، ووضوح سقوط الوجوب (٣) مع امتناع المقدّمة المنحصرة، ولو كان بسوء الاختيار، والعقلُ قد استقلّ بأنّ الممنوع شرعاً كالممتنع عادةً أو عقلاً ؟

قلت: أوّلاً: إنّما كان الممنوع كالممتنع، إذا لم يحكم العقل بلزومه، إرشاداً إلى ما هو أقلّ المحذورين، وقد عرفت لزومَه بحكمه ؛ فإنّه مع لزوم الإتيان بالمقدّمة عقلاً، لا بأس في بقاء (٤) ذي المقدّمة على وجوبه، فإنّه حينئذٍ ليس من التكليف بالممتنع، كما إذا كانت المقدّمة ممتنعة.

وثانياً: لو سلّم، فالساقط إنّما هو الخطاب فعلاً بالبعث والإيجاب، لا لزوم إتيانه عقلاً ؛ - خروجاً عن عهدة ما تنجّز عليه سابقاً - ؛ ضرورة أنّه لو لم يأتِ به لوقع في المحذور الأشدّ، ونقضِ الغرض الأهمّ ؛ حيث إنّه الآن كما

__________________

(١) أثبتنا المصحّح في « ن »، وفي سائر الطبعات: فيهما.

(٢) الأولى أن يقال: « ومستحقاً عليه العقاب عقلاً » ؛ لأنّ العقل يحكم باستحقاق العقاب، وأما العقوبة الفعليّة التكوينيّة فهي فعل الشارع دون العقل. ( منتهى الدراية ٣: ١٧٠ ).

(٣) أثبتنا المصحّح في « ن »، وفي بعض الطبعات: لسقوط الوجوب.

(٤) الأولى:... لا بأس ببقاء. ( منتهى الدراية ٣: ١٧٢ ).