درس کفایه الاصول - جلد دوم

جلسه ۲۱: اجتماع امر و نهی ۱۹

 

ولو سُلّم عدمُ الصدق إلّا بنحو السالبة المنتفية بانتفاء الموضوع، فهو غير ضائرٍ، بعدَ تمكّنه من الترك - ولو على نحو هذه السالبة -، ومن الفعل بواسطة تمكّنه ممّا هو من قبيل الموضوع في هذه السالبة، فيوقع نفسَه - بالاختيار - في المهلكة، أو يدخل الدار، فيعالج بشرب الخمر، ويتخلّص بالخروج، أو يختار تركَ الدخول والوقوعِ فيها (١)، لئلّا يحتاج إلى التخلّص والعلاج.

إن قلت: كيف يقع مثل الخروج والشرب ممنوعاً عنه شرعاً، ومعاقباً عليه عقلاً (٢)، مع بقاء ما يتوقّف عليه على وجوبه، ووضوح سقوط الوجوب (٣) مع امتناع المقدّمة المنحصرة، ولو كان بسوء الاختيار، والعقلُ قد استقلّ بأنّ الممنوع شرعاً كالممتنع عادةً أو عقلاً ؟

قلت: أوّلاً: إنّما كان الممنوع كالممتنع، إذا لم يحكم العقل بلزومه، إرشاداً إلى ما هو أقلّ المحذورين، وقد عرفت لزومَه بحكمه ؛ فإنّه مع لزوم الإتيان بالمقدّمة عقلاً، لا بأس في بقاء (٤) ذي المقدّمة على وجوبه، فإنّه حينئذٍ ليس من التكليف بالممتنع، كما إذا كانت المقدّمة ممتنعة.

وثانياً: لو سلّم، فالساقط إنّما هو الخطاب فعلاً بالبعث والإيجاب، لا لزوم إتيانه عقلاً ؛ - خروجاً عن عهدة ما تنجّز عليه سابقاً - ؛ ضرورة أنّه لو لم يأتِ به لوقع في المحذور الأشدّ، ونقضِ الغرض الأهمّ ؛ حيث إنّه الآن كما

__________________

(١) أثبتنا المصحّح في « ن »، وفي سائر الطبعات: فيهما.

(٢) الأولى أن يقال: « ومستحقاً عليه العقاب عقلاً » ؛ لأنّ العقل يحكم باستحقاق العقاب، وأما العقوبة الفعليّة التكوينيّة فهي فعل الشارع دون العقل. ( منتهى الدراية ٣: ١٧٠ ).

(٣) أثبتنا المصحّح في « ن »، وفي بعض الطبعات: لسقوط الوجوب.

(٤) الأولى:... لا بأس ببقاء. ( منتهى الدراية ٣: ١٧٢ ).

كان عليه من الملاك والمحبوبيّة، بلا حدوث قصورٍ أو طروء فتورٍ فيه أصلاً، وإنّما كان سقوط الخطاب لأجل المانع، وإلزامُ العقل به لذلك إرشاداً كافٍ، لاحاجة معه إلى بقاء الخطاب بالبعث إليه والإيجاب له فعلاً، فتدبّر جيّداً.

٤ - مختار الفصول وما يرد عليه

وقد ظهر ممّا حقّقناه: فساد القول بكونه مأموراً به، مع إجراء حكم المعصية عليه، نظراً إلى النهي السابق (١).

مع ما فيه من لزوم اتّصاف فعلٍ واحدٍ بعنوانٍ واحدٍ بالوجوب والحرمة.

ولا يرتفع غائلته باختلاف زمان التحريم والإيجاب قبل الدخول وبعده - كما في الفصول (٢) -، مع اتّحاد زمان الفعل المتعلّق لهما، وإنّما المفيد اختلاف زمانه ولو مع اتّحاد زمانهما. وهذا أوضح من أن يخفى، كيف ؟ ولازمه وقوع الخروج بعد الدخول عصياناً للنهي السابق، وإطاعةً للأمر اللاحق فعلاً، ومبغوضاً ومحبوباً كذلك بعنوانٍ واحد، وهذا ممّا لا يرضى به القائل بالجواز، فضلاً عن القائل بالامتناع.

كما لا يُجدي في رفع هذه الغائلة: كونُ النهي مطلقاً وعلى كلِّ حالٍ، وكونُ الأمر مشروطاً بالدخول ؛ ضرورةَ منافاة حرمة شيءٍ كذلك مع وجوبه في بعض الأحوال.

الإيراد على مختار أبي هاشم والمحققّ القمّي

وأمّا القول بكونه مأموراً به ومنهيّاً عنه (٣): ففيه - مضافاً إلى ما عرفت من امتناع الاجتماع في ما إذا كان بعنوانين، فضلاً عمّا إذا كان بعنوانٍ واحد، كما في المقام، حيث كان الخروج بعنوانه سبباً للتخلّص، وكان بغير إذن المالك،

__________________

(١) الفصول: ١٣٨.

(٢) المصدر السابق.

(٣) القوانين ١: ١٥٣.