درس کفایه الاصول - جلد دوم

جلسه ۲۵: اجتماع امر و نهی ۲۳

 

فيكون وزانُ التخصيص في مورد الاجتماع، وزانَ التخصيص العقليّ الناشئ من جهة تقديم أحد المقتضيين وتأثيرِه فعلاً، المختصِّ بما إذا لم يمنع عن تأثيره مانعٌ، المقتضي لصحّة مورد الاجتماع مع الأمر، أو بدونه في ما كان هناك مانع عن تأثير المقتضي للنهي له (١)، أو عن فعليّته، كما مرّ تفصيله (٢).

وجوه ترجيح النهي على الأمر وبيان ما يرد عليها:

وكيف كان، فلابدّ في ترجيح أحد الحكمين من مرجّح. وقد ذكروا لترجيح النهي وجوهاً:

١ - النهي أقوى دلالة من الأمر

منها: أنّه أقوى دلالة ؛ لاستلزامه انتفاءَ جميع الأفراد، بخلاف الأمر.

وقد أُورد عليه (٣): بأنّ ذلك فيه من جهة إطلاق متعلّقه بقرينة الحكمة، كدلالة الأمر على الاجتزاء بأيّ فردٍ كان.

وقد أُورد عليه (٤): بأنّه لو كان العموم المستفاد من النهي بالإطلاق بمقدّمات الحكمة، وغيرَ مستند إلى دلالته عليه بالالتزام، لكان استعمال مثل « لا تغصب » في بعض أفراد الغصب حقيقةً، وهذا واضح الفساد، فتكون دلالته على العموم من جهة أنّ وقوع الطبيعة في حيّز النفي أو النهي يقتضي عقلاً سريانَ الحكم إلى جميع الأفراد ؛ ضرورة عدم الانتهاء عنها أو انتفائها إلّا بالانتهاء عن الجميع أو انتفائه.

قلت: دلالتهما على العموم والاستيعاب - ظاهراً - ممّا لا يُنكر، لكنّه من

__________________

(١) الأولى: تبديل « له » ب « فيه » ؛ لتعلّق « له » ب « تأثير ». ( منتهى الدراية ٣: ٢٠٢ ).

(٢) في عاشر الأُمور من مقدّمة الفصل.

(٣) في القوانين ١: ١٣٨، في مبحث دلالة النهي على التكرار.

(٤) لم نظفر بالمُورد.

الواضح أنّ العموم المستفاد منهما كذلك، إنّما هو بحسب ما يراد من متعلّقهما، فيختلف سعةً وضيقاً، فلا يكاد يدلّ على استيعاب جميع الأفراد، إلّا إذا أُريد منه الطبيعة مطلقةً وبلا قيدٍ. ولايكاد يستظهر ذلك - مع عدم دلالته عليه (١) بالخصوص - إلّا بالإطلاق وقرينة الحكمة، بحيث لو لم يكن هناك قرينتها - بأن يكون الإطلاق في غير مقام البيان - لم يكد يستفاد استيعاب أفراد الطبيعة، وذلك لا ينافي دلالَتهما على استيعاب أفراد ما يراد من المتعلّق ؛ إذ الفرض عدم الدلالة على أنّه المقيّد أو المطلق.

اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ في دلالتهما على الاستيعاب كفايةً ودلالةً على أنّ المراد من المتعلّق هو المطلق، كما ربما يدّعى ذلك في مثل: « كلّ رجل »، وأنّ مثل لفظة « كلّ » تدلّ على استيعاب جميع أفراد الرجل، من غير حاجةٍ إلى ملاحظة إطلاق مدخوله وقرينة الحكمة، بل يكفي إرادة ما هو معناه - من الطبيعة المهملة ولابشرط - في دلالته على الاستيعاب، وإن كان لا يلزم مجاز أصلاً لو أُريد منه خاصٌّ بالقرينة، لا فيه ؛ لدلالته على استيعاب أفراد ما يراد من المدخول، ولا فيه إذا كان بنحو تعدّد الدالّ والمدلول ؛ لعدم استعماله إلّا في ما وضع له، والخصوصيّةُ مستفادة من دالٍّ آخر، فتدبّر.

٢ - دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة

ومنها: أنّ دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة.

وقد أورد عليه - في القوانين (٢) - بأنّه مطلقاً ممنوع ؛ لأنّ في ترك الواجب أيضاً مفسدة إذا تعيّن.

__________________

(١) الظاهر: أنّ أصل العبارة: عدم دلالةٍ عليه. ( حقائق الأُصول ١: ٤١٢ ).

(٢) القوانين ١: ١٥٣.

ولا يخفى ما فيه ؛ فإنّ الواجب - ولو كان معيّناً - ليس إلّا لأجل أنّ في فعله مصلحة يلزم استيفاؤها، من دون أن يكون في تركه مفسدة، كما أنّ الحرام ليس إلّا لأجل المفسدة في فعله بلا مصلحة في تركه.

ولكن يرد عليه: أنّ الأولويّة مطلقاً ممنوعة، بل ربما يكون العكس أولى، كما يشهد به مقايسة فعل بعض المحرّمات مع ترك بعض الواجبات، خصوصاً مثل الصلاة وما يتلو تلوها.

ولو سلّم فهو أجنبيّ عن المقام (*)؛ فإنّه في ما إذا دار بين الواجب والحرام.

ولو سلّم فإنّما يُجدي في ما لو حصل به القطع.

ولو سلّم أنّه يُجدي ولو لم يحصل، فإنّما يُجدي (١) في ما لا يكون هناك مجالٌ لأصالة البراءة أو الاشتغال، كما في دوران الأمر بين الوجوب والحرمة التعيينيّين، لا في ما تجري، كما في محلّ الاجتماع ؛ لأصالة البراءة عن حرمته، فيحكم بصحّته، ولو قيل بقاعدة الاشتغال في الشكّ في الأجزاء والشرائط، فإنّه لا مانع عقلاً إلّا فعليّة الحرمة المرفوعة بأصالة البراءة عنها عقلاً ونقلاً (٢).

نعم، لو قيل (**) بأنّ المفسدة الواقعيّة الغالبة مؤثّرةٌ في المبغوضيّة ولو لم

__________________

(*) فإنّ الترجيح به إنّما يناسب ترجيح المكلّف، واختياره للفعل أو الترك، بما هو أوفق بغرضه، لا المقام، وهو مقام جعل الأحكام ؛ فانّ المرجّح هناك ليس إلّا حسنها أو قبحها العقليّان، لا موافقة الأغراض ومخالفتها، كما لا يخفى، تأمّل تعرف. ( منه قدس‌سره ).

(١) في « ق » و « ش »: يجري.

(٢) في « ق »: المرفوعة عقلاً ونقلاً بأصالة البراءة عنها.

(**) كما هو غير بعيد كلّه، بتقريب: أنّ إحراز المفسدة والعلم بالحرمة الذاتيّة كافٍ في تأثيرها بما لها من المرتبة، ولايتوقّف تأثيرها كذلك على إحرازها بمرتبتها. ولذا كان العلم بمجرّد حرمة شيءٍ موجباً لتنجّز حرمته على ما هي عليه من المرتبة، ولو كانت في أقوى مراتبها، ولاستحقاق العقوبة الشديدة على مخالفتها حسب شدّتها، كما لا يخفى، هذا.

لكنّه إنّما يكون إذا لم يحرز أيضاً ما يحتمل أن يزاحمها ويمنع عن تأثيرها المبغوضيّة. وأمّا معه فيكون الفعل كما إذا لم يحرز أنّه ذو مصلحة أو مفسدة ممّا لا يستقلّ العقل بحسنه أو قبحه، وحينئذٍ يمكن أن يقال بصحّته عبادةً لو أتى به بداعي الأمر المتعلّق بما يصدق عليه من الطبيعة، بناءً على عدم اعتبار أزيد من إتيان العمل قُربيّاً في العبادة، وامتثالاً للأمر بالطبيعة، وعدم اعتبار كونه ذاتاً راجحاً. كيف ؟ ويمكن أن لا يكون جلّ العبادات ذاتاً راجحاً، بل إنّما يكون كذلك في ما إذا أُتي بها على نحوٍ قربيّ.

نعم، المعتبر في صحّته عبادةً إنّما هو أن لا يقع منه مبغوضاً عليه، كما لا يخفى. وقولنا: « فتأمّل » إشارة إلى ذلك. ( منه قدس‌سره ).