درس کفایه الاصول - جلد دوم

جلسه ۷۱: عام و خاص ۱۶

 

أو في عموم الألفاظ الواقعة عقيبَ أداة الخطاب للغائبين، بل المعدومين، وعدمِ عمومها لهما بقرينة تلك الأداة (١).

ولا يخفى: أنّ النزاع على الوجهين الأوّلين يكون عقليّاً، وعلى الوجه الأخير لغويّاً (٢).

حكم النزاع على الوجوه الثلاثة

إذا عرفت هذا، فلا ريب في عدم صحّة تكليف المعدوم عقلاً، بمعنى بعثه أو زجره فعلاً ؛ ضرورة أنّه بهذا المعنى يستلزم الطلب منه حقيقةً، ولا يكاد يكون الطلب كذلك إلّا من الموجود ضرورةً.

نعم، هو بمعنى مجرّد إنشاء الطلب - بلا بعثٍ ولا زجرٍ - لا استحالة فيه أصلاً ؛ فإنّ الإنشاء خفيف المؤونة، فالحكيم - تبارك وتعالى - يُنشئ على وفق الحكمة والمصلحة طلَبَ شيءٍ - قانوناً - من الموجود والمعدوم حين الخطاب، ليصير فعليّاً بعد ما وُجد الشرائط وفُقد الموانع، بلا حاجة إلى إنشاء آخر، فتدبّر.

ونظيره من غير الطلب إنشاءُ التمليك في الوقف على البطون، فإنّ المعدوم منهم يصير مالكاً للعين الموقوفة بعد وجوده بإنشائه، ويتلقّى لها من الواقف بعقده، فيؤثّر في حقّ الموجود منهم الملكيّةَ الفعليّة، ولا يؤثّر في حقّ المعدوم فعلاً إلّا استعدادَها لأن تصير ملكاً له بعد وجوده.

هذا إذا أُنشئ الطلب مطلقاً.

وأمّا إذا أُنشئ مقيّداً بوجود المكلّف ووجدانه الشرائط، فإمكانه بمكانٍ من الإمكان.

__________________

(١) وهذا هو الظاهر من مطارح الأنظار ٢: ١٨٣ في تحرير العنوان.

(٢) اشارة إلى ما ورد في مطارح الأنظار ٢: ١٨٦ من أنّ النزاع المذكور هل هو عقليّ أو لغويّ ؟... فظاهر جملة من الامارات يشهد للثاني، وظاهر جملة أُخرى يشهد للأول.

وكذلك لا ريب في عدم صحّة خطاب المعدوم - بل الغائب - حقيقةً، وعدم إمكانه ؛ ضرورةَ عدم تحقّق توجيه الكلام نحو الغير حقيقةً إلّا إذا كان موجوداً، وكان بحيث يتوجّه إلى الكلام ويلتفت إليه.

الكلام في ماوُضعت له أدوات الخطاب

ومنه قد انقدح: أنّ ما وضع للخطاب - مثل أدوات النداء - لو كان موضوعاً للخطاب الحقيقيّ، لأوجب استعمالُه فيه تخصيصَ ما يقع في تلوه بالحاضرين. كما أنّ قضيّة إرادة العموم منه لغيرهم استعماله في غيره.

لكنّ الظاهر: أنّ مثل أدوات النداء لم يكن موضوعاً لذلك، بل للخطاب الإيقاعيّ الإنشائيّ. فالمتكلّم ربما يُوقع الخطاب بها تحسّراً وتأسّفاً وحزناً، مثل « يا كوكباً ما كان أقصر عمره » (١)، أو شوقاً ونحو ذلك، كما يوقعه مخاطِباً لمن يناديه حقيقةً، فلا يوجب استعماله في معناه الحقيقيّ حينئذٍ التخصيصَ بمن يصحّ مخاطبته.

نعم، لا يبعد دعوى الظهور - انصرافاً - في الخطاب الحقيقيّ، كما هو الحال في حروف الاستفهام والترجّي والتمنّي وغيرها، على ما حقّقناه في بعض المباحث السابقة (٢) من كونها موضوعةً للإيقاعيّ منها بدواعٍ مختلفة، مع ظهورها في الواقعيّ منها انصرافاً، إذا لم يكن هناك ما يمنع عنه، كما يمكن دعوى وجوده غالباً في كلام الشارع ؛ ضرورة وضوح عدم اختصاص الحكم في مثل: « يا أيّها الناس اتّقوا » و « يا أيّها المؤمنون » بمن حضر مجلسَ الخطاب، بلا شبهة ولا ارتياب.

__________________

(١) وتمام البيت: « وكذاك عمر كواكب الأسحار »، وهو من رائيّة أبي الحسن التهامي في رثاء ولده الذي مات صغيراً، راجع الكنى والألقاب ١: ٤٨ - ٤٩.

(٢) في المبحث الأول من مباحث صيغة الأمر في الصفحة: ١٠٠ ؛ قال: إيقاظ: لا يخفى أنّ ما ذكرناه في صيغة الأمر جارٍ في سائر الصيغ الانشائية....