درس کفایه الاصول - جلد دوم

جلسه ۹۰: قطع ۳

 

نعم، في كونه بهذه المرتبة مورداً للوظائف المقرّرة شرعاً للجاهل، إشكالُ لزوم اجتماع الضدّين أو المثلين، على ما يأتي تفصيله (١) - إن شاء الله تعالى -، مع ما هو التحقيق في دفعه، في التوفيق بين الحكم الواقعيّ والظاهريّ، فانتظر.

الأمر الثاني: [ التجرّي والانقياد ]

قد عرفت: أنّه لا شبهة في أنّ القطع يوجب استحقاقَ العقوبة على المخالفة، والمثوبةِ على الموافقة في صورة الإصابة.

فهل يوجب استحقاقها - في صورة عدم الإصابة - على التجرّي بمخالفته، واستحقاقَ المثوبة على الانقياد بموافقته، أو لا يوجب شيئاً ؟

استحقاق المتجرّي للعقاب

ألحقّ: أنّه يوجبه ؛ لشهادة الوجدان بصحّة مؤاخذته، وذمّه على تجرّيه وهتك حرمته لمولاه (٢)، وخروجه عن رسوم عبوديّته، وكونه بصدد الطغيان، وعزمه على العصيان، وصحّةِ مثوبته، ومدحه على إقامته (٣) بما هو قضيّة عبوديّته، من العزم على موافقته، والبناء على إطاعته، وإن قلنا بأنّه لا يستحقّ مؤاخذة أو مثوبة - ما لم يعزم على المخالفة أو الموافقة - بمجرّد سوء سريرته أو حُسنها (٤)، وإن كان مستحقّاً للّوم (٥) أو المدح بما يستتبعانه، كسائر الصفات والأخلاق الذميمة أو الحسنة.

__________________

(١) في أوّل مبحث الأمارات.

(٢) الصواب: وهتكه لحرمة مولاه. ( منتهى الدراية ٤: ٣٧ ).

(٣) الصواب: على قيامه. ( المصدر السابق ).

(٤) إشارة وتعريض بما أفاده الشيخ الأعظم من أن المتجرّي لا يستحق إلّا المذمّة واللوم. انظر فرائد الأُصول ١: ٤١.

(٥) في « ر » و « ق »: للذمّ.

وبالجملة: ما دامت فيه صفة كامنة لا يستحقّ بها إلّا مدحاً أو لوماً (١)، وإنّما يستحقّ الجزاء بالمثوبة أو العقوبة - مضافاً إلى أحدهما - إذا صار بصدد الجري على طبقها، والعمل على وفقها، وجَزَمَ وعَزَمَ ؛ وذلك لعدم صحّة مؤاخذته بمجرّد سوء سريرته من دون ذلك، وحسنها معه، كما يشهد به مراجعة الوجدان، الحاكم بالاستقلال في مثل باب الإطاعة والعصيان، وما يستتبعان من استحقاق النيران أو الجنان.

القطع غير المصيب لا يُحدث تغييراً في الواقع

ولكن ذلك مع بقاء الفعل المتجرّى به، أو المنقاد به على ما هو عليه من الحسن أو القبح، والوجوب أو الحرمة واقعاً، بلا حدوث تفاوتٍ فيه بسبب تعلُّقِ القطع بغير ما هو عليه من الحكم والصفة، ولا يغيَّر جهة حُسنِه أو قبحِه بجهته أصلاً (٢) ؛ ضرورة أنّ القطع بالحسن أو القبح، لا يكون من الوجوه والاعتبارات التّي بها يكون الحسنُ والقبحُ عقلاً، ولا ملاكاً للمحبوبيّة والمبغوضيّة شرعاً ؛ ضرورة عدم تغيّر الفعل عمّا هو عليه - من المبغوضيّة والمحبوبيّة للمولى - بسبب قطع العبد بكونه محبوباً أو مبغوضاً له، فقَتْلُ ابن المولى لا يكاد يخرج عن كونه مبغوضاً له، ولو اعتقد العبد بأنّه عدُوُّه، وكذا قَتْلُ عدوِّه - مع القطع بأنّه ابنه - لا يخرج عن كونه محبوباً أبداً. هذا.

مع أنّ الفعل المتجرّى به أو المنقاد به - بما هو مقطوع الحرمة أو الوجوب - لا يكون اختياريّاً ؛ فإنّ القاطع لا يقصده إلّا بما قطع أنّه عليه من

__________________

(١) في « ر »: ذمّاً.

(٢) في « ر »: ولا يغيّر جهة... بجهة أصلاً. وفي « ق »: ولا يغيّر حسنه أو قبحه أصلاً. وفي حقائق الأُصول: ولا تغيّر جهة حسنه أو قبحه أصلاً. وفي « ش » ومنتهى الدراية: لا يغيّر حسنه أو قبحه بجهة أصلاً.

عنوانه الواقعيّ الاستقلاليّ، لا بعنوانه الطارئ الآليّ، بل لا يكون غالباً بهذا العنوان ممّا يلتفت إليه، فكيف يكون من جهات الحسن أو القبح عقلاً، ومن مناطات الوجوب أو الحرمة شرعاً ؟ ولا يكاد يكون صفةٌ موجبةٌ لذلك إلّا إذا كانت اختياريّة.

الإشكال في استحقاق العقاب على مخالفة القطع والجواب عنه

إن قلت: إذا لم يكن الفعل كذلك، فلا وجه لاستحقاق العقوبة على مخالفة القطع، وهل كان العقاب عليها إلّا عقاباً على ما ليس بالاختيار ؟

قلت: العقاب إنّما يكون على قصد العصيان والعزم على الطغيان، لا على الفعل الصادر بهذا العنوان بلا اختيار.

إن قلت: إنّ القصد والعزم إنّما يكون من مبادئ الاختيار، وهي ليست باختياريّة، وإلّا لتسلسل.

قلت: - مضافاً إلى أنّ الاختيار وإن لم يكن بالاختيار، إلّا أنّ بعض مباديه غالباً يكون وجوده بالاختيار ؛ للتمكّن من عدمه، بالتأمّل في ما يترتّب على ما عزم عليه من تبعة العقوبة واللوم والمذمّة - يمكن أن يقال:

إنّ حسن المؤاخذة والعقوبة إنّما يكون من تبعة بُعده عن سيّده، بتجرّيه عليه، كما كان من تبعته بالعصيان في صورة المصادفة، فكما أنّه يوجب البُعد عنه، كذلك لا غروَ في أن يوجب حسن العقوبة ؛ فإنّه وإن لم يكن باختياره (*)، إلّا أنّه بسوء سريرته وخبث باطنه، بحسب نقصانه، واقتضاء

__________________

(*) كيف لا ؟ وكانت المعصية الموجبة لاستحقاق العقوبة غير اختياريّة، فإنّها هي المخالفة العمديّة، وهي لا تكون بالاختيار ؛ ضرورة أنّ العمد إليها ليس باختياريّ، وإنّما تكون نفس المخالفة اختياريّة، وهي غير موجبة للاستحقاق، وإنّما الموجبة له هي العمديّة منها، كما لا يخفى على اولي النهى. ( منه قدس‌سره ).