درس کفایه الاصول - جلد دوم

جلسه ۹۲: قطع ۵

 

استعداده ذاتاً وإمكانه (١).

وإذا انتهى الأمرُ إليه يرتفع الإشكال وينقطع السؤال ب « لِمَ » ؛ فإنّ الذاتيّات ضروريّ الثبوت (٢) للذات.

وبذلك أيضاً ينقطع السؤال عن أنّه لِمَ اختار الكافر والعاصي، الكفرَ والعصيان، والمطيعُ والمؤمن، الإطاعةَ والإيمان ؟ فإنّه يساوق السؤال عن أنّ الحمار لِمَ يكون ناهقاً ؟ والإنسان لِمَ يكون ناطقاً ؟

وبالجملة: تفاوت أفراد الإنسان في القرب منه - جلّ شأنه وعظمت كبرياؤه (٣) - والبعدِ عنه، سببٌ لاختلافها في استحقاق الجنّة ودرجاتها، والنار ودركاتها، وموجبٌ لتفاوتها في نيل الشفاعة وعدمه (٤)(٥)، وتفاوتُها في ذلك بالآخرة يكون ذاتيّاً، والذاتيّ لا يعلَّل.

إن قلت: على هذا فلا فائدة في بَعْثِ الرُسل وإنزال الكتب، والوعظ والإنذار.

قلت: ذلك لينتفع به من حسُنت سريرته وطابت طينته، لتكمل به نفسه، ويخلص مع ربّه انسه، ﴿ما كُنّا لِنَهتَديَ لَولا أنْ هَدانا اللهُ﴾ (٦)، قال الله تبارك

__________________

(١) كذا في الأصل ومصحّح « ن »، وفي « ر »، « ق »، « ش » وبعض الطبعات الأُخرى: إمكاناً.

(٢) الصواب: ضروريّة الثبوت. ( منتهى الدراية ٤: ٥٤ ).

(٣) في الأصل: « منه تعالى »، وفي طبعاته مثل ما أثبتناه.

(٤) في « ش » ومنتهى الدراية: عدمها، وفي « ن »: وعدم نيلها.

(٥) قوله: « وموجب لتفاوتها في نيل الشفاعة وعدمه » غير موجود في الأصل، وأثبتناه من طبعاته.

(٦) الأعراف: ٤٣.

وتعالى: ﴿وذَكِّر فَإنَّ الذكْرى تَنْفَعُ المؤمنين﴾ (١)، وليكون حجّةً على من ساءت سريرته وخبثت طينته، ﴿ليَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَن حيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ (٢)، كيلا يكون للناس على الله حجّة، بل كان له حجّةٌ بالغة.

شهادة الآيات والروايات على استحقاق المتجرّي للعقاب

ولا يخفى: أنّ في الآيات (٣) والروايات (٤) شهادةً على صحّة ما حكم به الوجدان، الحاكم على الإطلاق في باب الاستحقاق للعقوبة والمثوبة.

استدلال المحقّق السبزواريّ على استحقاق المتجرّي للعقاب

ومعه لا حاجة إلى ما استُدلّ على استحقاق المتجرّي للعقاب بما حاصله:

أنّه لولاه - مع استحقاق العاصي له - يلزم إناطةُ استحقاق العقوبة بما هو خارجٌ عن الاختيار، من مصادفة قطعه، الخارجة عن تحت قدرته واختياره (٥).

المناقشة في الدليل

مع بطلانه وفساده ؛ إذ للخصم أن يقول: بأنّ استحقاق العاصي دونه، إنّما هو لتحقّقِ سبب الاستحقاق فيه - وهو مخالفته عن عمدٍ واختيار - وعدمِ تحقّقه فيه ؛ لعدم مخالفته أصلاً - ولو بلا اختيار -، بل عدمِ صدور فعلٍ منه في بعض أفراده بالاختيار، كما في التجرّي بارتكاب ما قطع أنّه من مصاديق الحرام، كما إذا قطع - مثلاً - بأنّ مائعاً خمرٌ، مع أنّه لم يكن بالخمر، فيحتاج إلى إثبات أنّ المخالفة الاعتقاديّة سببٌ كالواقعيّة الاختياريّة، كما عرفت بما لا مزيد عليه.

__________________

(١) الذاريات: ٥٥.

(٢) الأنفال: ٤٢.

(٣) البقرة: ٢٢٥، ٢٨٤، الإسراء: ٣٦، الأحزاب: ٥.

(٤) وسائل الشيعة ١: ٤٨ و٥٠، الباب ٥ من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث ٤ و٥، و١٦: ١٤١، الباب ٥ من أبواب الأمر والنهي، الحديث ١٢.

(٥) ذخيرة المعاد: ٢٠٩ - ٢١٠، وقد ذكره الشيخ الأعظم الأنصاري أيضاً على وجهٍ رباعي. انظر فرائد الأُصول ١: ٣٨ - ٣٩.

توهّم استحقاق المتجرّي عقابين متداخلين والجواب عنه

ثمّ لا يذهب عليك: أنّه ليس في المعصية الحقيقيّة إلّا مَنْشَأٌ واحد لاستحقاق العقوبة - وهو هتك واحدٌ -، فلا وجه لاستحقاق عقابين متداخلين - كما توهّم (١) -. مع ضرورة أنّ المعصية الواحدة لاتوجب إلّا عقوبةً واحدةً، كما لا وجه لتداخلهما على تقدير استحقاقهما كما لا يخفى.

ولا منشأ لتوهّمه إلّا بداهة أنّه ليس في معصية واحدة إلّا عقوبة واحدة، مع الغفلة عن أنّ وحدة المسبّب تكشف - بنحو « الإنّ » - عن وحدة السبب.

الأمر الثالث: [ أقسام القطع وأحكامها ]

القطع الطريقيّ

إنّه قد عرفت (٢): أنّ القطع بالتكليف - أخطأ أو أصاب - يوجب عقلاً استحقاق المدح والثواب، أو الذمِّ والعقاب، من دون أن يؤخذ (٣) شرعاً في خطاب.

القطع الموضوعيّ وأقسامه

وقد يؤخذ في موضوع حكم آخر مخالف لحكم متعلّقه (٤)(٥)، لا يماثله ولا يضادّه، - كما إذا ورد مثلاً في الخطاب: أنّه إذا قطعت بوجوب شيءٍ يجب عليك التصدّق بكذا -:

__________________

(١) في الفصول: ٨٧.

(٢) في الأمر الأول من أحكام القطع.

(٣) في « ر »: يوجد.

(٤) أدرجنا ما في « ر »، وفي غيرها: حكم آخر يخالف متعلّقه.

(٥) في العبارة تسامح، ومقصوده جواز أخذ القطع بحكمٍ في موضوع حكمٍ آخر متعلّق بموضوع آخر، كما إذا أُخذ القطع بحرمة الخمر قيداً لموضوع وجوب التصدّق. ( نهاية النهاية ٢: ٢٤ ).