درس کفایه الاصول - جلد دوم

جلسه ۱۰۴: ظن ۲

 

٢ - إمكان التعبّد بالأمارات وقوعاً

ثانيها: في بيان إمكان التعبّد بالأمارة غيرِ العلميّة شرعاً، وعدمِ لزوم محالٍ منه عقلاً، في قبال دعوى استحالته للزومه.

الإشكال في ما أفاده الشيخ الأنصاري في المقام

وليس الإمكان - بهذا المعنى، بل مطلقاً - أصلاً متّبعاً (١) عند العقلاء في مقام احتمال ما يقابله من الامتناع (٢) ؛ لمنع كونه سيرتهم على ترتيب آثار الإمكان عند الشكّ فيه، ومنعِ حجّيّتها - لو سلّم ثبوتها - ؛ لعدم قيام دليلٍ قطعيّ على اعتبارها، والظنّ به - لو كان - فالكلام الآن في إمكان التعبّد بها (٣) وامتناعه، فما ظنّك به ؟

لكن دليلَ وقوع التعبّد بها من طرق إثبات إمكانه ؛ حيث يستكشف به عدم ترتّب محالٍ - من تالٍ باطل، فيمتنع (٤) مطلقاً، أو على الحكيم تعالى -، فلا حاجة معه - في دعوى الوقوع - إلى إثبات (٥) الإمكان، وبدونه لا فائدة في إثباته، كما هو واضح.

وقد انقدح بذلك: ما في دعوى شيخنا العلّامة - أعلى الله مقامه - من كون الإمكان عند العقلاء - مع احتمال الامتناع - أصلاً.

المقصود من الإمكان في كلام الشيخ الرئيس

والإمكانُ في كلام الشيخ الرئيس: « كلُّ ما قرع سمعك من الغرائب فَذَره

__________________

(١) أثبتنا ما ورد في « ن » وأكثر الطبعات، وفي الأصل: بأصل متّبع، وفي « ر » و « ش »: أصلٌ متّبع.

(٢) تعريضٌ بالشيخ الأعظم الأنصاري، حيث أفاد: أنّ الإمكان - عند الشك في إمكان شيء وامتناعه - أصلٌ متّبع عند العقلاء. انظر فرائد الأُصول ١: ١٠٦.

(٣) في هامش « ش »: به ( نسخة بدل ).

(٤) في الأصل: ممتنع، وفي طبعاته كما أثبتناه.

(٥) في « ر »: فلا حاجة معه إلى إثبات....

في بقعة الإمكان ما لم يذُدك عنه واضح البرهان » (١)، بمعنى الاحتمال المقابل للقطع والإيقان، ومن الواضح أن لا موطن له إلّا الوجدان، فهو المرجع فيه بلا بيّنة وبرهان.

محاذير التعبّد بالأمارات

وكيف كان، فما قيل أو يمكن أن يقال في بيان ما يلزم التعبّد بغير العلم - من المحال، أو الباطل ولو لم يكن بمحال - أُمور:

أحدها: اجتماع المثلين - من إيجابين، أو تحريمين مثلاً - في ما أصاب، أو ضدّين - من إيجاب وتحريم، ومن إرادة وكراهة، ومصلحة ومفسدة ملزمتين، بلا كسر وانكسار في البين - في ما أخطأ، أو التصويب وأن لا يكون هناك غير مؤدّيات الأمارات (٢) أحكامٌ.

ثانيها: طلب الضدّين في ما إذا أخطأ، وأدّى إلى وجوب ضدّ الواجب.

ثالثها: تفويت المصلحة، أو الإلقاءُ في المفسدة، في ما أدّى إلى عدم وجوب ما هو واجب، أو عدمِ حرمة ما هو حرام، وكونِه محكوماً بسائر الأحكام.

الجواب عن المحاذير وبيان وجوه الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري:

والجواب: أنّ ما ادّعي لزومُه إمّا غيرُ لازم، أو غير باطل:

الوجه الأول وذلك لأنّ التعبّد بطريقٍ غير علميّ إنّما هو بجعل حجّيّته، والحجّيّةُ المجعولة غير مستتبعة لإنشاء أحكام تكليفيّة بحسب ما أدّى إليه الطريق، بل إنّما تكون موجبةً لتنجُّزِ التكليف به إذا أصاب، وصحّةِ الاعتذار به إذا أخطأ، ولكون مخالفته وموافقته تجرّياً وانقياداً مع عدم إصابته، كما هو شأن

__________________

(١) شرح الاشارات ٣: ٤١٨.

(٢) في « ر »: في غير مورد الأمارات.

الحجّة غيرِ المجعولة، فلا يلزم اجتماع حكمين - مثلين أو ضدّين -، ولا طلب الضدّين، ولا اجتماع المفسدة والمصلحة، ولا الكراهة والإرادة، كما لا يخفى.

وأمّا تفويت مصلحة الواقع، أو الإلقاء في مفسدته، فلا محذور فيه أصلاً إذا كانت في التعبّد به مصلحة غالبةٌ على مفسدة التفويت أو الإلقاء.

الوجه الثاني

نعم، لو قيل باستتباع جعل الحجّيّة للأحكام التكليفيّة (١)، أو بأنّه لا معنى لجعلها إلّا جعل تلك الأحكام (٢)، فاجتماع حكمين وإن كان يلزم، إلّا أنّهما ليسا بمثلين أو ضدّين:

لأنّ أحدهما طريقيٌّ عن مصلحةٍ في نفسه، موجبةٍ لإنشائه الموجبِ للتنجّز، أو لصحّة الاعتذار بمجرّده (٣) من دون إرادة نفسانيّة أو كراهة كذلك، متعلّقةٍ بمتعلّقه في ما يمكن هناك انقداحهما ؛ حيث إنّه مع المصلحة أو المفسدة الملزمتين في فعلٍ، وإن لم يحدث بسببها إرادة أو كراهة في المبدأ الأعلى، إلّا أنّه (٤) إذا أوحى بالحكم - الناشئ (٥) من قِبَل تلك المصلحة أو المفسدة - إلى النبيّ، أو أُلهم به الوليّ، فلا محالة ينقدح في نفسه الشريفة

__________________

(١) وهو الذي يظهر من عبارة المحقّق الكاظمي في شرحه على الوافية ( مخطوط ): ٢٤٣.

(٢) كما قد يظهر ذلك من بعض كلمات الشيخ الأعظم، ونسبه إلى المشهور أيضاً. انظر فرائد الأُصول ٣: ١٢٦.

(٣) لا يخفى عدم استقامة العبارة ؛ لأنّ الانشاء بنفسه ليس موجباً للتنجّز، بل الموجب له هو العلم بهذا الإنشاء. ( منتهى الدراية ٤: ٢٢٤ ).

(٤) في منتهى الدراية زيادة: « تعالى ».

(٥) أدرجنا ما في الأصل و « ر ». وفي « ن »، « ق »، « ش »، حقائق الأُصول ومنتهى الدراية: الشأني.