درس کفایه الاصول - جلد دوم

جلسه ۱۰۶: ظن ۴

 

- بسببهما (١) - الإرادةُ أو الكراهة، الموجبةُ للإنشاء بعثاً أو زجراً، بخلاف ما ليس هناك مصلحةٌ أو مفسدة في المتعلّق، بل إنّما كانت في نفس إنشاء الأمر به (٢) طريقيّاً.

والآخر واقعيٌّ حقيقيٌّ عن مصلحة أو مفسدة في متعلّقه، موجبةٍ لإرادته أو كراهته، الموجبة لإنشائه بعثاً أو زجراً في بعض المبادئ العالية، وإن لم يكن في المبدأ الأعلى إلّا العلم بالمصلحة أو المفسدة - كما أشرنا -. فلا يلزم أيضاً اجتماع إرادة وكراهة، وإنّما لزم إنشاء حكم واقعيّ حقيقيّ - بعثاً أو زجراً - وإنشاء حكم آخر طريقيّ، ولا مضادّة بين الإنشائين في ما إذا اختلفا، ولا يكون من اجتماع المثلين (٣) في ما اتّفقا، ولا إرادة ولا كراهة أصلاً إلّا بالنسبة إلى متعلّق الحكم الواقعيّ، فافهم.

عدم كفاية الوجه الثاني بالنسبة إلى بعض الأُصول العمليّة

نعم، يشكل الأمر في بعض الأُصول العمليّة، كأصالة الإباحة الشرعيّة ؛ فإنّ الإذن في الإقدام والاقتحام ينافي المنعَ فعلاً، كما في ما صادف الحرام، وإن كان الإذنُ فيه لأجل عدم مصلحة فيه، لا لأجل عدم مصلحة أو مفسدة (٤) ملزمة في المأذون فيه.

الوجه الثالث

فلا محيص في مثله إلّا عن (٥) الالتزام بعدم انقداح الإرادة أو الكراهة في بعض المبادئ العالية أيضاً، كما في المبدأ الأعلى.

__________________

(١) في « ن » وبعض الطبعات: بسببها.

(٢) لا يخفى: أن مراده من « الأمر » هو الحكم، وإلّا فالأمر ليس قابلاً للإنشاء. وفي العبارة مسامحة. ( كفاية الأُصول مع حاشية المشكيني ٣: ١٧٠ ).

(٣) في « ر » زيادة: المستحيل.

(٤) في مصحّح « ن »: ومفسدة.

(٥) الصواب: إسقاط « إلّا » أو « عن ». ( منتهى الدراية ٤: ٢٣٢ ).

لكنّه لا يوجب الالتزام بعدم كون التكليف الواقعيّ بفعليّ، بمعنى كونه على صفةٍ ونحوٍ لو عَلم به المكلّف لتنجَّزَ عليه، كسائر التكاليف الفعليّة الّتي تتنجّز بسبب القطع بها. وكونُه فعليّاً إنّما يوجب البعث أو الزجر في النفس النبويّة أو الولويّة، في ما إذا لم ينقدح فيها الإذن لأجل مصلحة فيه.

الإشارة إلى الوجه الرابع وما يرد عليه

فانقدح بما ذكرنا: أنّه لا يلزم الالتزام بعدم كون الحكم الواقعيّ في مورد الأُصول والأمارات فعليّاً (١)، كي يشكل:

تارةً: بعدم لزوم الإتيان حينئذٍ بماقامت الأمارة على وجوبه ؛ ضرورة عدم لزوم امتثال الأحكام الإنشائيّة، ما لم تَصِر فعليّةً ولم تبلغ مرتبة البعث والزجر، ولزوم الإتيان به ممّا لا يحتاج إلى مزيد بيان أو إقامة برهان.

لا يقال: لا مجال لهذا الإشكال، لوقيل بأنّها كانت قبل أداء الأمارة إليها إنشائيّةً ؛ لأنّها بذلك تصير فعليّةً تبلغ تلك المرتبة.

فإنّه يقال: لا يكاد يُحرز بسبب قيام الأمارة المعتبرة على حكم إنشائيّ - لا حقيقةً ولا تعبّداً - إلّا حكمٌ إنشائيّ تعبّداً، لا حكمٌ إنشائيّ أدّت إليه الأمارة:

أمّا حقيقةً، فواضح. وأمّا تعبّداً، فلأنّ قصارى ما هو قضيّة حجيّة الأمارة:

كون مؤدّاها (٢) هو الواقع تعبّداً، لا الواقع الّذي أدّت إليه الأمارة، فافهم.

اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ الدليل على تنزيل المؤدّى منزلة الواقع - الّذي صار مؤدّىً لها -، هو دليل الحجّيّة بدلالة الاقتضاء، لكنّه لا يكاد يتمّ إلّا إذا لم يكن للأحكام بمرتبتها الإنشائيّة أثرٌ أصلاً، وإلّا لم يكن لتلك الدلالة مجالٌ، كما لا يخفى.

__________________

(١) إشارة إلى ما يستفاد من ظاهر كلام الشيخ في الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي، بالتزام كون الحكم الواقعي انشائياً غير فعلي. راجع فرائد الأُصول ١: ١١٤.

(٢) أثبتنا المصحّح من « ن »، وفي الأصل وبعض الطبعات: مؤدّاه.