درس کفایه الاصول - جلد دوم

جلسه ۱۱۱: ظواهر ۴

 

هلك الناس في المتشابه ؛ لأنّهم لم يقفوا على معناه، ولم يعرفوا حقيقته، فوضعوا له تأويلاً من عند أنفسهم بآرائهم، واستغنوا بذلك عن مسألة الأوصياء فيعرّفونهم » (١)، هذا.

مع أنّه لا محيص عن حمل هذه الروايات الناهية عن التفسير به على ذلك، ولو سلّم شمولها لحمل اللفظ على ظاهره ؛ ضرورة أنّه قضيّة التوفيق بينها وبين ما دلّ على جواز التمسّك بالقرآن، - مثل خبر الثقلين (٢) -، وما دلّ على التمسّك به والعمل بما فيه (٣)، وعرضِ الأخبار المتعارضة عليه (٤)، وردِّ الشروط المخالفة له (٥)، وغير ذلك (٦)(٧) ممّا لا محيصَ عن إرادة الإرجاع إلى ظواهره، لا خصوص نصوصه ؛ ضرورة أنّ الآيات الّتي يمكن أن تكون مرجعاً في باب تعارض الروايات أو الشروط، أو يمكن أن يتمسّك بها ويعمل بما فيها، ليست إلّا ظاهرةً في معانيها، و(٨) ليس فيها ما كان نصّاً، كما لا يخفى.

العلم الاجمالي بالتحريف لايمنع عن التمسّك بظواهر الكتاب

ودعوى العلم الإجماليّ بوقوع التحريف فيه بنحوٍ: إمّا بإسقاط، أو

__________________

(١-٦) انظر وسائل الشيعة ٢٧: ٢٠١، الباب ١٣ من أبواب صفات القاضي، الحديث ٦٢، و٢٤، الباب ٥ من أبواب صفات القاضي، الحديث ٩، والكافي ٢: ٥٩٦، ووسائل الشيعة ٢٧: ١١٨، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي، الحديث ٢٩، و١٨: ١٦، الباب ٦ من أبواب الخيار، الحديث الأول، والكافي ١: ٥٩، باب الردّ إلى الكتاب والسنة....

(٧) الأجوبة الثلاثة عن الدعوى الخامسة مذكورة في فرائد الأُصول ١: ١٤٢ - ١٤٣.

(٨) أثبتنا « و » من « ق »، « ش »، حقائق الأُصول ومنتهى الدراية.

تصحيف وإن كانت غيرَ بعيدة، - كما يشهد به بعض الأخبار (١)، ويساعده الاعتبار (٢) -، إلّا أنّه لايمنع عن حجّيّة ظواهره ؛ لعدم العلم بوقوع خلل فيها بذلك أصلاً.

ولو سلّم فلا علمَ بوقوعه في آيات الأحكام (٣).

__________________

(١) راجع بحار الأنوار ٨٩: ٤٠، باب ما جاء في كيفيّة جمع القرآن وما يدلّ على تغييره. قال الشيخ الطوسي: أمّا الكلام في زيادته ونقصانه ( يعني القرآن ) فممّا لا يليق به ؛ لأنّ الزيادة فيه مُجمع على بطلانها، والنقصان منه، فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا، كما نصره المرتضى، وهو الظاهر من الروايات، غير أنّه رويت روايات كثيرة من جهة العامّة والخاصّة بنقصان كثير من آي القرآن، ونقل شيء منه من موضع إلى موضع، لكن طريقها: الآحاد التي لا توجب علماً، فالأولى: الإعراض عنها وترك التشاغل بها ؛ لأنّه يمكن تأويلها. ( التبيان ١: ٣ ).

(٢) قال السيّد المرتضى: إنّ العلم بصحّة نقل القرآن، كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار، والوقائع العظام، والكتب المشهورة، وأشعار العرب المسطورة ؛ فإنّ العناية اشتدّت، والدواعي توفّرت على نقله وحراسته، وبلغت إلى حدّ لم يبلغه ما ذكرناه ؛ لأنّ القرآن معجز النبوّة، ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية، حتى عرفوا كلّ شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيّراً ومنقوصاً، مع العناية الصادقة والضبط الشديد. ( مجمع البيان ١: ٤٣ نقلاً عنه ) وبهذا يظهر الإشكال في ما ذكره المصنّف بقوله: ويساعد عليه الاعتبار. انظر حقائق الأُصول ٢: ٨٨.

وإنّما أضفنا هنا هذين التوضيحين والتعليقين - خلافاً لما التزمنا به من ترك التعليق على آراء المصنّف - ؛ لأنّ موضوع حفظ القرآن عن التحريف يحظى بالأهميّة القصوى عند عموم علمائنا قدّس الله أسرارهم.

(٣) هذان الجوابان أفادهما الشيخ الأعظم أيضاً. انظر فرائد الأُصول ١: ١٥٨.

والعلم بوقوعه فيها أو في غيرها من الآيات، غير ضائر بحجّيّة آياتها ؛ لعدم حجّيّة ظاهر سائر الآيات. والعلم الإجماليّ بوقوع الخلل في الظواهر إنّما يمنع عن حجّيّتها إذا كانت كلُّها حجّةً، وإلّا لا يكاد ينفكّ ظاهرٌ عن ذلك، كما لا يخفى، فافهم.

نعم لو كان الخلل المحتمل فيه، أو في غيره بما اتّصل به، لأخلّ بحجّيّته ؛ لعدم انعقاد ظهور له حينئذٍ، وإن انعقد له الظهور لولا اتّصاله.

اختلاف القراءات وأثره في التمسّك بظواهر الكتاب

ثمّ إنّ التحقيق: أنّ الاختلاف في القراءة بما يوجب الاختلاف في الظهور - مثل « يطهرن » (١) بالتشديد والتخفيف - يوجب الإخلال بجواز التمسّك والاستدلال ؛ لعدم إحراز ما هو القرآن.

ولم يثبت تواترُ القراءات، ولا جوازُ الاستدلال بها، وإن نُسب إلى المشهور تواترها (٢)، لكنّه ممّا لا أصل له، وإنّما الثابت جواز القراءة بها، ولا ملازمة بينهما، كما لا يخفى.

ولو فرض جواز الاستدلال بها، فلا وجه (٣) لملاحظة الترجيح بينها، بعد كون الأصل في تعارض الأمارات، هو سقوطها عن الحجّيّة في خصوص المؤدّى، بناءً على اعتبارها من باب الطريقيّة، والتخييرُ بينها بناءً على السببيّة، مع عدم دليلٍ على الترجيح في غير الروايات من سائر الأمارات، فلابدّ من الرجوع حينئذٍ إلى الأصل أو العموم، حَسَب اختلاف المقامات.

__________________

(١) في قوله تعالى: ﴿ وَلا تَقْرَبُوهنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فإذا تَطَهَّرْنَ فآتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله ﴾ البقرة: ٢٢٢.

(٢) نسبه إليهم المحقّق القمّي في قوانين الأُصول ١: ٤٠٦ والشيخ الأعظم في فرائد الأُصول ١: ١٥٧ وغيرهما.

(٣) في « ش »: فلا حاجة.