درس کفایه الاصول - جلد دوم

جلسه ۱۱۷: برائت ۳

 

لِمَ أقدمتَ مع إيجابه ؟ ويخرج به عن العقاب بلا بيان والمؤاخذة بلا برهان، كما يخرج بهما.

وقد انقدح بذلك: أنّ رفع التكليف المجهول كان منّةً على الأُمّة ؛ حيث كان له تعالى وضعُهُ بما هو قضيّته من إيجاب الاحتياط، فرفَعَه، فافهم.

المراد من الموصول في مما لا يعلمون »

ثمّ لا يخفى عدم الحاجة إلى تقدير المؤاخذة - ولا غيرِها من الآثار الشرعيّة - في « ما لا يعلمون » (١) ؛ فإنّ ما لا يعلم من التكليف مطلقاً - كان في الشبهة الحكميّة أو الموضوعيّة - بنفسه قابلٌ للرفع والوضع شرعاً، وإن كان في غيره لابدّ من تقدير الآثار، أو المجاز في إسناد الرفع إليه ؛ فإنّه ليس « ما اضطرّوا وما استكرهوا... » - إلى آخر التسعة - بمرفوع حقيقةً.

نعم، لو كان المرادُ من الموصول في « ما لا يعلمون » ما اشتبه حاله ولم يعلم عنوانه (٢)، لكان أحد الأمرين ممّا لابدّ منه أيضاً.

ثمّ لا وجه لتقدير خصوص المؤاخذة (٣)، بعد وضوح أنّ المقدّر في غير واحدٍ غيرها، فلا محيص عن أن يكون المقدّر هو الأثر الظاهر في كلّ منها، أو تمام آثارها الّتي تقتضي المنّة رفعَها. كما أنّ ما يكون بلحاظه الإسناد إليها مجازاً هو هذا، كما لا يخفى.

فالخبر دلّ على رفع كلِّ أثر تكليفيّ أو وضعيّ كان في رفعه منّة على

__________________

(١) تعريض بما أفاده الشيخ الأنصاري من لزوم التقدير في « ما لا يعلمون ». راجع فرائد الأُصول ٢: ٢٨ - ٢٩.

(٢) وهو الذي استظهره الشيخ قدس‌سره. راجع فرائد الأُصول ٢: ٢٨.

(٣) تعريض آخر بالشيخ الأعظم. المصدر المتقدّم: ٢٩.

الأُمّة، كما استشهد الإمام عليه‌السلام بمثل هذا الخبر في رفع ما استكره عليه من الطلاق والصدقة والعتاق (١).

المرفوع في غير « ما لا يعلمون »

ثمّ لا يذهب عليك: أنّ المرفوع في « ما اضطرّوا إليه » وغيره - ممّا أُخذ بعنوانه الثانويّ - إنّما هو الآثار المترتّبة عليه بعنوانه الأوّليّ ؛ ضرورة أنّ الظاهر أنّ هذه العناوين صارت موجبةً للرفع، والموضوعُ للأثر مستدعٍ لوضعه، فكيف يكون موجباً لرفعه ؟

لا يقال: كيف ؟ وإيجاب الاحتياط في ما لا يعلم، وإيجاب التحفّظ في الخطأ والنسيان، يكون أثراً لهذه العناوين بعينها وباقتضاء نفسها.

فإنّه يقال: بل إنّما يكون باقتضاء الواقع في موردها ؛ ضرورة أنّ الاهتمام به يوجب إيجابهما (٢)، لئلّا يفوت على المكلّف، كما لا يخفى.

٢ - حديث الحجب

ومنها: حديث الحَجْب (٣)، وقد انقدح تقريب الاستدلال به ممّا ذكرنا في حديث الرفع.

إلّا أنّه ربما يشكل (٤) بمنع ظهوره في وضع ما لا يعلم من التكليف، بدعوى ظهوره في خصوص ما تعلّقت عنايته تعالى بمنع اطّلاع العباد عليه ؛ لعدم أمر رسُله بتبليغه، حيث إنّه بدونه لما صحّ (٥) إسناد الحجب إليه تعالى.

__________________

(١) وسائل الشيعة ٢٣: ٢٢٦، الباب ١٢ من أبواب كتاب الأيمان، الحديث ١٢.

(٢) في « ر »: إيجابها. انظر منتهى الدراية ٥: ٢١٤.

(٣) عن أبي عبد الله عليه‌السلام: « ما حجب الله علْمَه عن العباد فهو موضوع عنهم ». التوحيد: ٤١٣، وسائل الشيعة ٢٧: ١٦٣، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي، الحديث ٣٣.

(٤) المستشكل هو الشيخ الأعظم في فرائد الأُصول ٢: ٤١.

(٥) الأنسب: لا يصحّ.