درس کفایه الاصول - جلد دوم

جلسه ۱۱۸: برائت ۴

 

٣ - حديث الحلّ

ومنها: قوله عليه‌السلام: « كلُّ شيءٍ لَكَ حلالٌ حتّى تعرف أنّه حرامٌ بعينه... » (١) الحديث. حيث دلّ على حلّيّة ما لم يعلم حرمته مطلقاً، ولو كان من جهة عدم الدليل على حرمته.

تعميم مفاد الحديث للشبهة الوجوبيّة

وبعدم الفصل قطعاً بين إباحته وعدم وجوب الاحتياط فيه، وبين عدم وجوب الاحتياط في الشبهة الوجوبيّة، يتمّ المطلوب.

مع إمكان أن يقال: ترك ما احتمل وجوبه ممّا لم يعرف حرمته، فهو حلال، تأمّل.

٤ - حديث السعة

ومنها: قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله: « الناسُ في سعة ما لا يعلمون » (٢).

فهم في سعةِ ما لم يُعلم، أو ما دام لم يعلم وجوبه أو حرمته، ومن الواضح أنّه لو كان الاحتياط واجباً لما كانوا في سعةٍ أصلاً، فيعارض به ما دلّ على وجوبه، كما لا يخفى (٣).

إشكال الشيخ الأعظم على الاستدلال بالرواية والجواب عنه

لا يقال: قد عُلم به وجوب الاحتياط (٤) فإنّه يقال: لم يعلم الوجوب أو الحرمة بعدُ، فكيف يقع في ضيق الاحتياط من أجله ؟

__________________

(١) وسائل الشيعة ١٧: ٨٩، الباب ٤ من أبواب ما يكتسب به، الحديث ٤ مع اختلاف في بعض الألفاظ.

(٢) رواه ابن أبي جمهور في عوالي اللآلي ١: ٤٢٤ بلفظ: وقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله: إنّ الناس في سعة ما لم يعلموا.

(٣) ردٌّ على ما أفاده الشيخ الأعظم من أنّ الحديث لا يعارض دليل الاحتياط ؛ فإنّه بالنسبة إليه كالأصل بالنسبة إلى الدليل. راجع فرائد الأُصول ٢: ٤١ و٢٧.

(٤) هذا ما أشكل به الشيخ الأنصاري على الاستدلال بالحديث. راجع فرائد الأُصول ٢: ٤١.

نعم، لو كان الاحتياط واجباً نفسيّاً كان وقوعهم في ضيقه بعد العلم بوجوبه، لكنّه عرفت أنّ وجوبه كان طريقيّاً، لأجل أن لا يقعوا في مخالفة الواجب أو الحرام أحياناً، فافهم.

٥ - حديث الإطلاق

ومنها: قوله عليه‌السلام: « كلُّ شيءٍ مطلقٌ حتّى يرِدَ فيه نهي » (١). ودلالته تتوقّف على عدم صدق الورود إلّا بعد العلم أو ما بحكمه، بالنهي عنه، وإن صدر عن

الإشكال في دلالة الرواية

الشارع ووصل إلى غير واحد (٢)(٣)، مع أنّه ممنوع ؛ لوضوح صدقه على صدوره عنه، سيّما بعد بلوغه إلى غير واحد، وقد خفي على من لم يعلم بصدوره.

لا يقال: نعم، ولكن بضميمة أصالة العدم صحّ الاستدلال به وتمّ.

فإنّه يقال: وإن تمّ الاستدلال به بضميمتها، ويُحكم بإباحة مجهول الحرمة وإطلاقه، إلّا أنّه لا بعنوان أنّه مجهول الحرمة شرعاً، بل بعنوان أنّه ممّا لم يرد عنه النهي واقعاً.

لا يقال: نعم، ولكنّه لا يتفاوت في ما هو المهمّ من الحكم بالإباحة في مجهول الحرمة، كان بهذا العنوان أو بذاك العنوان.

فإنّه يقال: حيث أنّه بذاك العنوان لاختصّ (٤) بما لم يعلم ورود النهي عنه أصلاً، ولا يكاد يعمّ ما إذا ورد النهي عنه في زمان، وإباحتُه (٥)

__________________

(١) الفقيه ١: ٣١٧، وسائل الشيعة ٦: ٢٨٩، الباب ١٩ من أبواب القنوت، الحديث ٣.

(٢) في « ش »: ووصل غير واحد.

(٣) وهذا هو ما أفاده الشيخ الأعظم في الاستدلال بالمرسلة. انظر فرائد الأُصول ٢: ٤٣.

(٤) الأولى: تبديله ب « يختص » ؛ لأنّه جعله جواباً ل « حيث » المتضمّن لمعنى الشرط، ولم يُعهد دخول اللام على جوابه. ( منتهى الدراية ٥: ٢٨٧ )

(٥) في الأصل وبعض الطبعات كما أثبتناه. وفي « ن » وبعض الطبعات الأُخرى: إباحة.

في آخر، واشتبها من حيث التقدّم والتأخّر.

لا يقال: هذا لولا عدم الفصل بين أفراد ما اشتبهت حرمته.

فإنّه يقال: وإن لم يكن بينها الفصل، إلّا أنّه إنّما يُجدي في ما كان المُثبِت للحكم بالإباحة في بعضها الدليل، لا الأصل، فافهم.

دعوى الإجماع على البراءةوالكلام فيها

وأمّا « الإجماع »: فقد نقل على البراءة (١)، إلّا أنّه موهونٌ، ولو قيل باعتبار الإجماع المنقول في الجملة ؛ فإنّ تحصيله في مثل هذه المسألة - ممّا للعقل إليه سبيل، ومن واضح النقل عليه دليل - بعيدٌ جدّاً.

حكم العقل بالبراءة

وأمّا « العقل »: فإنّه قد استقلّ بقبح العقوبة والمؤاخذة على مخالفة التكليف المجهول، بعد الفحص واليأس عن الظفر بما كان حجّةً عليه، فإنّهما بدونها عقابٌ بلا بيان، ومؤاخذةٌ بلابرهان، وهما قبيحان بشهادة الوجدان.

عدم جريان قاعدة دفع الضرر المحتمل في الشبهات البدويّة

ولا يخفى: أنّه مع استقلاله بذلك لا احتمال لضرر العقوبة في مخالفته، فلا يكون مجال هاهنا لقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل، كي يتوهّم أنّها تكون بياناً (٢). كما أنّه مع احتماله لا حاجة إلى القاعدة، بل في صورة المصادفة استحقّ (٣) العقوبة على المخالفة، ولو قيل بعدم وجوب دفع الضرر المحتمل.

وأمّا ضرر غير العقوبة، فهو وإن كان محتملاً، إلّا أنّ المتيقّن منه

__________________

(١) راجع فرائد الأُصول ٢: ٥٠.

(٢) إشارة إلى ما قد يتوهّم في المقام من ورود قاعدة دفع الضرر المحتمل على قاعدة قبح العقاب بلا بيان، أورده الشيخ في فرائده وأجاب عليه. انظر فرائد الأُصول ٢: ٥٦ - ٥٧.

(٣) الأولى: « يستحق ». ( منتهى الدراية ٥: ٣١٥ ).