درس کفایه الاصول - جلد دوم

جلسه ۱۲۰: برائت ۶

 

في آخر، واشتبها من حيث التقدّم والتأخّر.

لا يقال: هذا لولا عدم الفصل بين أفراد ما اشتبهت حرمته.

فإنّه يقال: وإن لم يكن بينها الفصل، إلّا أنّه إنّما يُجدي في ما كان المُثبِت للحكم بالإباحة في بعضها الدليل، لا الأصل، فافهم.

دعوى الإجماع على البراءةوالكلام فيها

وأمّا « الإجماع »: فقد نقل على البراءة (١)، إلّا أنّه موهونٌ، ولو قيل باعتبار الإجماع المنقول في الجملة ؛ فإنّ تحصيله في مثل هذه المسألة - ممّا للعقل إليه سبيل، ومن واضح النقل عليه دليل - بعيدٌ جدّاً.

حكم العقل بالبراءة

وأمّا « العقل »: فإنّه قد استقلّ بقبح العقوبة والمؤاخذة على مخالفة التكليف المجهول، بعد الفحص واليأس عن الظفر بما كان حجّةً عليه، فإنّهما بدونها عقابٌ بلا بيان، ومؤاخذةٌ بلابرهان، وهما قبيحان بشهادة الوجدان.

عدم جريان قاعدة دفع الضرر المحتمل في الشبهات البدويّة

ولا يخفى: أنّه مع استقلاله بذلك لا احتمال لضرر العقوبة في مخالفته، فلا يكون مجال هاهنا لقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل، كي يتوهّم أنّها تكون بياناً (٢). كما أنّه مع احتماله لا حاجة إلى القاعدة، بل في صورة المصادفة استحقّ (٣) العقوبة على المخالفة، ولو قيل بعدم وجوب دفع الضرر المحتمل.

وأمّا ضرر غير العقوبة، فهو وإن كان محتملاً، إلّا أنّ المتيقّن منه

__________________

(١) راجع فرائد الأُصول ٢: ٥٠.

(٢) إشارة إلى ما قد يتوهّم في المقام من ورود قاعدة دفع الضرر المحتمل على قاعدة قبح العقاب بلا بيان، أورده الشيخ في فرائده وأجاب عليه. انظر فرائد الأُصول ٢: ٥٦ - ٥٧.

(٣) الأولى: « يستحق ». ( منتهى الدراية ٥: ٣١٥ ).

- فضلاً عن محتمله - ليس بواجب الدفع شرعاً ولا عقلاً ؛ ضرورةَ عدمِ القبح في تحمّل بعض المضارّ ببعض الدواعي عقلاً، وجوازِه شرعاً.

مع أنّ احتمال الحرمة أو الوجوب لا يلازم احتمالَ المضرّة (١)، وإن كان ملازماً لاحتمال المفسدة أو ترك المصلحة ؛ لوضوح أنّ المصالح والمفاسد الّتي تكون مناطات الأحكام - وقد استقلّ العقل بحسن الأفعال الّتي تكون ذات المصالح، وقبحِ ما كان ذات المفاسد - ليست براجعةٍ إلى المنافع والمضارّ، وكثيراً مّا يكون محتمل التكليف مأمونَ الضرر. نعم، ربما تكون المنفعة أو المضرّة مناطاً للحكم شرعاً وعقلاً.

إن قلت: نعم، ولكنّ العقل يستقلّ بقبح الإقدام على ما لا تؤمن مفسدته، وأنّه كالإقدام على ما علم مفسدته، كما استدلّ به شيخ الطائفة قدس‌سره على أنّ الأشياء على الحظر أو الوقف (٢).

قلت: استقلاله بذلك ممنوع، والسند: شهادة الوجدان، ومراجعة ديدن العقلاء من أهل الملل والأديان، حيث إنّهم لا يحترزون ممّا لا تؤمن مفسدته، ولا يعامِلون معه معاملةَ ما علم مفسدته، كيف ؟ وقد أذِن الشارع بالإقدام عليه، ولا يكاد يأذن بارتكاب القبيح، فتأمّل.

__________________

(١) الأولى: سوق العبارة هكذا: « لا يلازم احتمال المضرّة أو المنفعة.... ( منتهى الدراية ٥: ٣١٧ ).

(٢) استدلّ الشيخ الطوسي بهذا الحكم العقلي على القول بالوقف، فقال: « وذهب كثير من الناس إلى أنها على الوقف... وهو الذي يقوى في نفسي » لكنّه قال - قبل هذا -: وذهب كثير من البغدادييّن وطائفة من أصحابنا الإماميّة إلى أنّها على الحظر، ووافقهم على ذلك جماعة من الفقهاء. ( العدّة ٢: ٧٤٢ ).

[ أدلّة القول بالاحتياط في الشبهات البدويّة والجواب عنها ]

واحتُجّ للقول بوجوب الاحتياط - في ما لم تقم فيه حجّةٌ - بالأدلّة الثلاثة:

الاستدلال بالكتاب والجواب عنه

أمّا « الكتاب »: فبالآيات الناهية عن القول بغير العلم (١)، وعن الإلقاء في التهلكة (٢)، والآمرة بالتقوى (٣).

والجواب: أنّ القول بالإباحة شرعاً، وبالأمن من العقوبة عقلاً، ليس قولاً بغير علم ؛ لما دلّ على الإباحة من النقل، وعلى البراءة من حكم العقل، ومعهما لا مهلكة في اقتحام الشبهة أصلاً، ولا فيه مخالفة التقوى، كما لا يخفى.

الاستدلال بالأخبار والجواب عنه

وأمّا « الأخبار »: فبما دلّ على وجوب التوقّف عند الشبهة، - معلّلاً في بعضها بأنّ « الوقوف عند الشبهة خيرٌ من الاقتحام في التهلكة » (٤) - من الأخبار الكثيرة الدالّة عليه مطابقةً (٥) أو التزاماً (٦).

__________________

(١) الأعراف: ٣٣، الإسراء: ٣٦، النور: ١٥.

(٢) البقرة: ١٩٥.

(٣) آل عمران: ١٠٢، التغابن: ١٦.

(٤) في أكثر الطبعات: المهلكة.

(٥) راجع وسائل الشيعة ٢٠: ٢٥٩، الباب ١٥٧ من أبواب مقدّمات النكاح وآدابه، الحديث ٢ و٢٧: ١٠٦ و١١٩، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي، الحديث ١ و٣٥.

(٦) كالأخبار الواردة لبيان وجوب الكفّ والردّ. راجع وسائل الشيعة ٢٧: ١٠٦، باب وجوه الجمع بين الأحاديث المختلفة وكيفيّة العمل بها.

وبما دلّ على وجوب الاحتياط من الأخبار الواردة بألسنة مختلفة (١).

والجواب: أنّه لا تهلكة (٢) في الشبهة البدويّة، مع دلالة النقل على الإباحة (٣)، وحكمِ العقل بالبراءة، كما عرفت.

وما دلّ على وجوب الاحتياط - لو سلّم - وإن كان وارداً على حكم العقل ؛ فإنّه كفى بياناً على العقوبة على مخالفة التكليف المجهول - ولا يُصغى إلى ما قيل (٤) من: أنّ إيجاب الاحتياط إن كان مقدّمةً للتحرّز عن عقاب الواقع المجهول، فهو قبيح، وإن كان نفسيّاً فالعقاب على مخالفته، لا على مخالفة الواقع ؛ وذلك لما عرفت من أنّ إيجابه يكون طريقيّاً، وهو عقلاً ممّا يصحّ أن يحتجّ به على المؤاخذة في مخالفة الشبهة، كما هو الحال في أوامر الطرق والأمارات والأُصول العمليّة (٥) -، إلّا أنّها تُعارَض بما هو أخصّ و(٦) أظهر ؛ ضرورة أنّ ما دلّ على حلّيّة المشتبه أخصّ، بل هو

__________________

(١) راجع وسائل الشيعة ٤: ١٧٧، الباب ١٦ من أبواب المواقيت، الحديث ١٤ و١٣: ٤٦، الباب ١٨ من أبواب كفارات الصيد، الحديث ٦ و٢٧: ١٥٤، ١٦٧، ١٧٢، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي، الحديث ١ و٤٦ و٦١.

(٢) في أكثر الطبعات: مهلكة.

(٣) لا توجد عبارة « على الإباحة » في الأصل، وأثبتناها من بعض طبعات الكتاب.

(٤) قاله الشيخ الأعظم في فرائد الأُصول ٢: ٧١.

(٥) الصواب أن يقال: « وبعض الأُصول العمليّة » كما عبّر به في حاشيته على الفرائد: ١١٦ ؛ إذ الأمر المولوي الطريقي على فرض تسليمه في الأُصول العمليّة لا يتعلّق إلّا بالاستصحاب. راجع منتهى الدراية ٥: ٣٤٦ - ٣٤٨.

(٦) في « ن » وحقائق الأُصول: أو. يراجع منتهى الدراية ٥: ٣٤٨ لتوضيح الوجهين في العاطف.