درس کفایه الاصول - جلد دوم

جلسه ۱۲۱: برائت ۷

 

[ أدلّة القول بالاحتياط في الشبهات البدويّة والجواب عنها ]

واحتُجّ للقول بوجوب الاحتياط - في ما لم تقم فيه حجّةٌ - بالأدلّة الثلاثة:

الاستدلال بالكتاب والجواب عنه

أمّا « الكتاب »: فبالآيات الناهية عن القول بغير العلم (١)، وعن الإلقاء في التهلكة (٢)، والآمرة بالتقوى (٣).

والجواب: أنّ القول بالإباحة شرعاً، وبالأمن من العقوبة عقلاً، ليس قولاً بغير علم ؛ لما دلّ على الإباحة من النقل، وعلى البراءة من حكم العقل، ومعهما لا مهلكة في اقتحام الشبهة أصلاً، ولا فيه مخالفة التقوى، كما لا يخفى.

الاستدلال بالأخبار والجواب عنه

وأمّا « الأخبار »: فبما دلّ على وجوب التوقّف عند الشبهة، - معلّلاً في بعضها بأنّ « الوقوف عند الشبهة خيرٌ من الاقتحام في التهلكة » (٤) - من الأخبار الكثيرة الدالّة عليه مطابقةً (٥) أو التزاماً (٦).

__________________

(١) الأعراف: ٣٣، الإسراء: ٣٦، النور: ١٥.

(٢) البقرة: ١٩٥.

(٣) آل عمران: ١٠٢، التغابن: ١٦.

(٤) في أكثر الطبعات: المهلكة.

(٥) راجع وسائل الشيعة ٢٠: ٢٥٩، الباب ١٥٧ من أبواب مقدّمات النكاح وآدابه، الحديث ٢ و٢٧: ١٠٦ و١١٩، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي، الحديث ١ و٣٥.

(٦) كالأخبار الواردة لبيان وجوب الكفّ والردّ. راجع وسائل الشيعة ٢٧: ١٠٦، باب وجوه الجمع بين الأحاديث المختلفة وكيفيّة العمل بها.

وبما دلّ على وجوب الاحتياط من الأخبار الواردة بألسنة مختلفة (١).

والجواب: أنّه لا تهلكة (٢) في الشبهة البدويّة، مع دلالة النقل على الإباحة (٣)، وحكمِ العقل بالبراءة، كما عرفت.

وما دلّ على وجوب الاحتياط - لو سلّم - وإن كان وارداً على حكم العقل ؛ فإنّه كفى بياناً على العقوبة على مخالفة التكليف المجهول - ولا يُصغى إلى ما قيل (٤) من: أنّ إيجاب الاحتياط إن كان مقدّمةً للتحرّز عن عقاب الواقع المجهول، فهو قبيح، وإن كان نفسيّاً فالعقاب على مخالفته، لا على مخالفة الواقع ؛ وذلك لما عرفت من أنّ إيجابه يكون طريقيّاً، وهو عقلاً ممّا يصحّ أن يحتجّ به على المؤاخذة في مخالفة الشبهة، كما هو الحال في أوامر الطرق والأمارات والأُصول العمليّة (٥) -، إلّا أنّها تُعارَض بما هو أخصّ و(٦) أظهر ؛ ضرورة أنّ ما دلّ على حلّيّة المشتبه أخصّ، بل هو

__________________

(١) راجع وسائل الشيعة ٤: ١٧٧، الباب ١٦ من أبواب المواقيت، الحديث ١٤ و١٣: ٤٦، الباب ١٨ من أبواب كفارات الصيد، الحديث ٦ و٢٧: ١٥٤، ١٦٧، ١٧٢، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي، الحديث ١ و٤٦ و٦١.

(٢) في أكثر الطبعات: مهلكة.

(٣) لا توجد عبارة « على الإباحة » في الأصل، وأثبتناها من بعض طبعات الكتاب.

(٤) قاله الشيخ الأعظم في فرائد الأُصول ٢: ٧١.

(٥) الصواب أن يقال: « وبعض الأُصول العمليّة » كما عبّر به في حاشيته على الفرائد: ١١٦ ؛ إذ الأمر المولوي الطريقي على فرض تسليمه في الأُصول العمليّة لا يتعلّق إلّا بالاستصحاب. راجع منتهى الدراية ٥: ٣٤٦ - ٣٤٨.

(٦) في « ن » وحقائق الأُصول: أو. يراجع منتهى الدراية ٥: ٣٤٨ لتوضيح الوجهين في العاطف.

في الدلالة على الحلّيّة نصّ، وما دلّ على الاحتياط غايته أنّه ظاهر في وجوب الاحتياط.

مع أنّ هناك قرائن دالّة على أنّه للإرشاد، فيختلف إيجاباً واستحباباً حَسَب اختلاف ما يرشد إليه.

ويؤيّده: أنّه لو لم يكن للإرشاد لوجب (١) تخصيصه - لا محالة - ببعض الشبهات إجماعاً، مع أنّه آبٍ عن التخصيص قطعاً (٢).

كيف لا يكون (٣) قوله: « قف عند الشبهة ؛ فإنّ الوقوف عند الشبهة خيرٌ من الاقتحام في المهلكة » للإرشاد ؟ مع أنّ المهلكة ظاهرةٌ في العقوبة، ولا عقوبة في الشبهة البدويّة قبل إيجاب الوقوف والاحتياط، فكيف يعلّل إيجابه بأنّه خيرٌ من الاقتحام في المهلكة ؟

لا يقال (٤): نعم، ولكنّه يستكشف منه - على نحو « الإنّ » - إيجابُ الاحتياط من قبلُ، ليصحّ به العقوبة على المخالفة.

فإنّه يقال: إنّ مجرّد إيجابه واقعاً ما لم يعلم لا يصححّ العقوبة، ولا يخرجها عن أنّها بلا بيان ولا برهان، فلا محيص عن اختصاص مثله

__________________

(١) في « ق » و « ش »: يوجب.

(٢) انظر تفصيل هذا الجواب وتأييده في فرائد الأُصول ٢: ٨٠.

(٣) إنّ المصنّف قدس‌سره قد خلط البحث، وعاد إلى الطائفة الأُولى من الأخبار المعلّلة التي تقدّم منه الجواب عنها، فالأولى: إسقاط هذه العبارة إلى قوله: وأمّا العقل ( نهاية النهاية ٢: ١٠٥ ). وانظر كفاية الأُصول مع حاشية المشكيني ٤: ٨٥، حقائق الأُصول ٢: ٢٤١ ومنتهى الدراية ٥: ٣٥٦.

(٤) هذا هو الإشكال الذي أورده الشيخ على نفسه، وأجاب عنه بما أشار إليه المصنّف بقوله آنفاً: ولا يصغى إلى ما قيل.... راجع فرائد الأُصول ٢: ٧١.

بما يتنجّز فيه المشتبه - لو كان -، كالشبهة قبل الفحص (١) مطلقاً، أو الشبهة المقرونة بالعلم الإجماليّ، فتأمّل جيّداً.

الاستدلال بالعقل:

الوجه الأول: العلم الإجمالي

وأمّا العقل: فلاستقلاله بلزوم فعْلِ ما احتمل وجوبُه، وتركِ ما احتمل حرمتُه - حيث علم إجمالاً بوجود واجباتٍ ومحرّمات كثيرة في ما اشتبه وجوبه أو حرمته، ممّا لم يكن هناك حجّة على حكمه - ؛ تفريغاً للذمّة بعد اشتغالها، ولا خلاف في لزوم الاحتياط في أطراف العلم الإجماليّ إلّا من بعض الأصحاب (٢).

الجواب عن الدليل العقلي بانحلال العلم الاجمالي

والجواب: أنّ العقل وإن استقلّ بذلك، إلّا أنّه إذا لم ينحلّ العلم الإجماليّ إلى علم تفصيليّ وشكّ بدويّ، وقد انحلّ هاهنا، فإنّه كما عُلِم بوجود تكاليف إجمالاً، كذلك عُلِم إجمالاً (٣) بثبوت طُرقٍ واصولٍ معتبرة مثبتة لتكاليف، بمقدار تلك التكاليف المعلومة أو أزيد، وحينئذٍ لا علم بتكاليف اخر غير التكاليف الفعليّة في الموارد (٤) المثبتة من الطرق والأُصول العمليّة (٥).

__________________

(١) في حقائق الأُصول ومنتهى الدراية: بما يتنجّز فيه المشتبه قبل الفحص.

(٢) كالسيّد العاملي في المدارك ١: ١٠٧ - ١٠٨، والمحقّق القمّي في القوانين ٢: ٢٥.

(٣) ورد في حقائق الأُصول بعد: « إجمالاً »: « تفصيلاً ظ » بين القوسين. وقال في الهامش ٢: ٢٥٢: لا يبعد أن يكون « علم إجمالاً » من قلم الناسخ، والأصل: « علم تفصيلاً ». ويشهد به كلامه في حاشيته على الرسائل (: ١٢٩ ) وقوله هنا: « إن قلت » وما بعده إلى آخر المطلب. ( أيضاً يراجع منتهى الدراية ٥: ٣٨٥ ).

(٤) أثبتنا ما في الأصل وبعض الطبعات. وفي « ن » وبعض الطبعات الأُخرى: في موارد.

(٥) كان الأولى أن يقال: التكاليف الفعلية المثبتة بالطرق و.... ( منتهى الدراية ٥: ٣٨٦ ).