درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۱: تمهید

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

المقصد الثالث

مباحث الحجّة

بسم الله الرّحمن الرّحيم

تمهيد :

إنّ مقصودنا من هذا البحث ـ وهو «مباحث الحجّة» ـ تنقيح ما يصلح أن يكون دليلا وحجّة على الأحكام الشرعيّة ، لنتوصّل إلى الواقع من أحكام الله (تعالى).

فإن أصبنا بالدليل ذلك الواقع ـ كما أردنا ـ فذلك هو الغاية القصوى والمقصد الأعلى ، وإن أخطأناه ، فنحن نكون معذورين غير معاقبين في مخالفة الواقع.

والسرّ في كوننا معذورين عند الخطأ هو أنّنا قد بذلنا جهدنا وقصارى وسعنا في البحث عن الطرق الموصلة إلى الواقع من أحكام الله (تعالى) ، حتى ثبت لدينا ـ على سبيل القطع ـ أنّ هذا الدليل المعيّن ـ كخبر الواحد مثلا ـ قد ارتضاه الشارع لنا طريقا إلى أحكامه ، وجعله حجّة عليها ، فالخطأ الذي نقع فيه إنّما جاء من [قبل] الدليل ـ الذي نصبه وارتضاه لنا ـ لا من قبلنا.

وسيأتي (١) بيان [أنّه] كيف نكون معذورين؟ وكيف يصحّ وقوع الخطأ في الدليل المنصوب حجّة ، مع أنّ الشارع هو الذي نصبه وجعله حجّة؟

ولا شكّ في أنّ هذا المقصد هو غاية الغايات من مباحث علم أصول الفقه ، وهو العمدة فيها ؛ لأنّه هو الذي يحصّل كبريات مسائل المقصدين السابقين (الأوّل والثاني) ، فإنّه لمّا كان يبحث في المقصد الأوّل عن تشخيص صغريات الظواهر اللفظيّة (٢) ، فإنّه في هذا

__________________

(١) سيأتي في الصفحة : ٤٠٠ «ولذا نقول : إذا لم تصب الواقع ...».

(٢) إنّ بعض مشايخنا الأعاظم قدس‌سره * التزم في المسألة الأصوليّة أنّها يجب أن تقع كبرى في القياس الذي ـ

__________________

* وهو المحقّق العراقي في مقالات الأصول ١ : ١٠ ـ ١١ ، ونهاية الأفكار ١ : ٢٢ ـ ٢٣.

المقصد يبحث عن حجّيّة مطلق الظواهر اللفظيّة بنحو العموم ، فتتألّف الصغرى من نتيجة المقصد الأوّل ، والكبرى من نتيجة هذا المقصد ؛ ليستنتج من ذلك الحكم الشرعيّ ، فيقال ـ مثلا ـ :

صيغة «افعل» ظاهرة في الوجوب

(الصغرى)

وكلّ ظاهر حجّة

(الكبرى)

فينتج : صيغة «افعل» حجّة في الوجوب

(النتيجة)

فإذا وردت صيغة «افعل» في آية أو حديث استنتج (١) من ذلك وجوب متعلّقها.

وهكذا يقال في المقصد الثاني ؛ إذ يبحث فيه عن تشخيص صغريات أحكام العقل (٢) ، وفي هذا المقصد يبحث عن حجّيّة حكم العقل ، فتتألّف منهما صغرى وكبرى. (٣)

وقد أوضحنا كلّ ذلك في تمهيد المقصدين. فراجع. (٤)

__________________

ـ يستنبط منه الحكم الشرعيّ ، وجعل ذلك مناطا في كون المسألة أصوليّة ، ووجّه المسائل الأصوليّة على هذا النحو. وهو في الحقيقة لزوم ما لا يلزم * وقد أوضحنا الحقيقة هنا وفيما سبق.

(١) الأولى : يستنتج.

(٢) فيبحث فيه عن الإجزاء ، ووجوب مقدّمة الواجب ، وغيرهما من صغريات حكم العقل بالملازمة بينها وبين شيء آخر.

وهذه الصغريات كبريات عقليّة تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي ، فيقال مثلا : هذا المأتيّ به مأمور به في حال الاضطرار ... (الصغرى).

وكلّ مأتيّ به ـ الذي هو مأمور به حال الاضطرار ـ يلزمه عقلا الإجزاء عن المأمور به حال الاختيار ... (الكبرى). فينتج : فهذا المأتيّ به حال الاضطرار يجزئ عقلا عن المأمور به حال الاختيار.

(٣) والنتيجة الحاصلة من الصغرى والكبرى في القياس المذكور تقع صغرى لقياس آخر كبراه حجّية العقل ، فيقال ـ مثلا ـ :

العقل يحكم بالإجزاء (الصغرى).

وحكم العقل حجّة (الكبرى).

فحكم العقل بالإجزاء حجّة (النتيجة).

(٤) راجع الجزء الأوّل : ٦٧ ، والجزء الثاني : ٢٢١.

__________________

* أي التزام بما لا يلزم.

وعليه ، فلا بدّ أن نستقصي في بحثنا عن كلّ ما قيل أو يمكن أن يقال باعتباره وحجّيّته ؛ لنستوفي البحث ، ولنعذر عند الله (تعالى) في اتّباع ما يصحّ اتّباعه ، وطرح ما لا يثبت اعتباره.

وينبغي لنا أيضا ـ من باب التمهيد والمقدّمة ـ أن نبحث عن موضوع هذا المقصد ، وعن معنى الحجّيّة ، وخصائصها ، والمناط فيها ، وكيفيّة اعتبارها ، وما يتعلّق بذلك ، فنضع المقدّمة في عدّة مباحث ، كما نضع المقصد في عدّة أبواب :

تمرينات (٤٢)

التمرين الأوّل :

١. ما المقصود من البحث عن المقصد الثالث «مباحث الحجّة»؟

٢. ما السرّ في كوننا معذورين عند الخطأ؟

٣. كيف يستنتج الحكم الشرعي من نتيجة المقصد الأوّل ، ونتيجة المقصد الثالث؟ اذكر مثالا.

التمرين الثاني :

١. ما هو رأي المحقّق العراقيّ في مناط كون المسألة أصوليّة؟

٢. كيف يستنتج الحكم الشرعي من نتيجة المقصد الثاني ونتيجة هذا المقصد؟ اذكر مثالا.