درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۴: مقدمه مباحث حجت ۳

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

٣. مدلول كلمة «الأمارة» و «الظنّ المعتبر»

بعد أن قلنا : إنّ الأمارة مرادفة لكلمة «الحجّة» باصطلاح الأصوليّين ، ينبغي أن ننقل الكلام إلى كلمة «الأمارة» لنتسقّط بعض استعمالاتها ، كما سنستعملها بدل كلمة «الحجّة» في المباحث الآتية ، فنقول :

إنّه كثيرا ما يجري على ألسنة الأصوليّين إطلاق كلمة «الأمارة» على معنى ما تؤدّيه كلمة «الظنّ» ، ويقصدون من الظنّ «الظنّ المعتبر» ، أي الذي اعتبره الشارع ، وجعله حجّة ، ويوهم ذلك أنّ الأمارة والظنّ المعتبر لفظان مترادفان يؤدّيان معنى واحدا ، مع أنّهما ليسا كذلك.

وفي الحقيقة أنّ هذا تسامح في التعبير منهم على نحو المجاز في الاستعمال ، لا أنّه وضع آخر لكلمة «الأمارة». وإنّما مدلول الأمارة الحقيقي (١) هو كلّ شيء اعتبره الشارع لأجل أنّه يكون سببا للظنّ ، كخبر الواحد والظواهر.

والمجاز هنا إمّا من جهة إطلاق السبب على مسبّبه فيسمّى الظنّ المسبّب «أمارة» ؛ وإمّا من جهة إطلاق المسبّب على سببه فتسمّى الأمارة ـ التي هي سبب للظنّ ـ : «ظنّا» ، فيقولون : «الظنّ المعتبر» ، و «الظنّ الخاصّ» ، والاعتبار والخصوصيّة إنّما هما لسبب الظنّ.

ومنشأ هذا التسامح في الإطلاق هو أنّ السرّ في اعتبار الأمارة وجعلها حجّة وطريقا هو إفادتها للظنّ دائما أو على الأغلب ، ويقولون للثاني ـ الذي يفيد الظنّ على الأغلب ـ : «الظنّ النوعيّ» على ما سيأتي بيانه.

٤. الظنّ النوعيّ

ومعنى «الظنّ النوعيّ» : أنّ الأمارة تكون من شأنها أن تفيد الظنّ عند غالب الناس ونوعهم. واعتبارها عند الشارع إنّما يكون من هذه الجهة ، فلا يضرّ في اعتبارها وحجيّتها ألاّ يحصل منها ظنّ فعليّ للشخص الذي قامت عنده الأمارة ، بل تكون حجّة عند

__________________

(١) أي إنّما المدلول الحقيقي لكلمة «الأمارة» هو ....

هذا الشخص أيضا حيث إنّ دليل اعتبارها دلّ على أنّ الشارع إنّما اعتبرها حجّة ورضي بها طريقا ؛ لأنّ من شأنها أن تفيد الظنّ ، وإن لم يحصل الظنّ الفعليّ منها لدى بعض الأشخاص.

ثمّ لا يخفى عليك أنّا قد نعبّر فيما يأتي تبعا للأصوليّين فنقول : «الظنّ الخاصّ» ، أو «الظنّ المعتبر» ، أو «الظنّ الحجّة» ، وأمثال هذه التعبيرات ، والمقصود منها دائما سبب الظنّ ـ أعني الأمارة المعتبرة وإن لم تفد ظنّا فعليّا ـ ، فلا يشتبه عليك الحال.

٥. الأمارة والأصل العمليّ

واصطلاح الأمارة لا يشمل «الأصل العمليّ» ، كالبراءة ، والاحتياط ، والتخيير ، والاستصحاب ، بل هذه الأصول تقع في جانب والأمارة في جانب آخر مقابل له ، فإنّ المكلّف إنّما يرجع إلى الأصول إذا افتقد الأمارة ، أي إذا لم تقم عنده الحجّة على الحكم الشرعيّ الواقعيّ على ما سيأتي توضيحه ، وبيان السرّ فيه. (١)

ولا ينافي ذلك أنّ هذه الأصول أيضا قد يطلق عليها أنّها حجّة ، فإنّ إطلاق الحجّة عليها ليس بمعنى الحجّة في باب الأمارات ، بل بالمعنى اللغويّ باعتبار أنّها معذّرة للمكلّف إذا عمل بها وأخطأ الواقع ، ويحتجّ بها المولى على المكلّف إذا خالفها ولم يعمل بها ففوّت الواقع المطلوب ؛ ولأجل هذا جعلنا باب «الأصول العمليّة» بابا آخر مقابل باب «مباحث الحجّة».

وقد أشير في تعريف «الأمارة» إلى خروج الأصول العمليّة بقولهم : «يثبت متعلّقه» ؛ لأنّ الأصول العمليّة لا تثبت متعلّقاتها ؛ لأنّه ليس لسانها لسان إثبات الواقع والحكاية عنه ، وإنّما هي في حقيقتها مرجع للمكلّف في مقام العمل عند الحيرة والشكّ في الواقع ، وعدم ثبوت حجّة عليه. وغاية شأنها أنّها تكون معذّرة للمكلّف.

ومن هنا اختلفوا في الاستصحاب ، هل إنّه أمارة أو أصل؟ باعتبار أنّ له شأن الحكاية عن الواقع ، وإحرازه في الجملة ؛ لأنّ اليقين السابق غالبا ما يورث الظنّ ببقاء المتيقّن في

__________________

(١) يأتي في المقصد الرابع : ٥٩٧ ـ ٥٩٨.