درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۷۸: مباحث حجت ۶۰

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

شيء من هذه الوجوه فردّوا إلينا علمه ، فنحن أولى بذلك ، ولا تقولوا فيه بآرائكم ، وعليكم بالكفّ ، والتثبّت ، والوقوف ، وأنتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا».

وهذه الفقرات صريحة في وجوب التوقّف ، والتربّث (١) ، وعليه ، فالأجدر بهذه الرواية أن تجعل من أدلّة التوقّف ، لا التخيير.

٩. مقبولة عمر بن حنظلة ، الآتي ذكرها في المرجّحات ، وقد جاء في آخرها : «إذا كان ذلك ـ أي فقدت المرجّحات ـ فأرجئه حتى تلقى إمامك ؛ فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات». (٢)

وهذه ظاهرة في وجوب التوقّف عند التعادل.

١٠. خبر سماعة عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قلت : يرد علينا حديثان : واحد يأمرنا بالأخذ به ، والآخر ينهانا عنه؟ قال : «لا تعمل بواحد منهما حتى تلقى صاحبك ، فتسأله». قلت : لا بدّ أن نعمل بأحدهما. قال : «خذ بما فيه خلاف العامّة» (٣).

١١. مرسلة صاحب عوالي اللآلئ ـ على ما نقل عنه ـ ، فإنّه بعد روايته المرفوعة المتقدّمة بالرقم (٥) قال : وفي رواية أنّه قال عليه‌السلام : «إذن فأرجئه حتى تلقى إمامك فتسأله». (٤)

هذه جملة ما عثرت عليه من الروايات فيما يتعلّق بالتخيير أو التوقّف. والظاهر منها ـ بعد ملاحظة أخبار الترجيح الآتية ، وبعد ملاحظة مقيّداتها بصورة فقدان المرجّح ، ولو في الجملة ـ أنّ الرجوع إلى التخيير ، أو التوقّف بعد فقد المرجّحات ، فتحمل مطلقاتها على مقيّداتها.

والخلاصة أنّ المتحصّل منها جميعا أنّه يجب أوّلا ملاحظة المرجّحات بين المتعارضين ، فإن لم تتوفّر المرجّحات ، فالقاعدة هي التخيير ، أو التوقّف على حسب استفادتنا من الأخبار ، لا أنّ القاعدة التخيير أو التوقّف في كلّ متعارضين وإن كان فيهما

__________________

(١) وهو ضدّ العجلة.

(٢) الكافي ١ : ٦٧.

(٣) وسائل الشيعة ١٨ : ٨٨ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٤١.

(٤) عوالي اللآلئ ٤ : ١٣٣.

ما يرجّح أحدهما على الآخر.

نعم ، المستفاد من الرواية العاشرة فقط ـ وهي خبر سماعة ـ أنّ التوقّف هو الحكم الأوّلي ؛ إذ أرجعه إلى الترجيح بمخالفة العامّة بعد فرض ضرورة العمل بأحدهما ، بحسب فرض السائل.

ولكنّ التأمّل فيها يعطي أنّها لا تنافي أدلّة تقديم الترجيح ، فإنّ الظاهر أنّ المراد منها ترك العمل رأسا ؛ انتظارا لملاقاة الإمام ، لا التوقّف والعمل بالاحتياط.

وبعد هذا يبقى علينا أن نعرف وجه الجمع بين أخبار التخيير ، وأخبار التوقّف فيما ذكرناه من الأخبار المتقدّمة. وقد ذكروا وجوها للجمع (١) لا يغني أكثرها.

وأنت ـ بعد ملاحظة ما مرّ من المناقشات في الأخبار التي استظهروا منها التخيير ـ تستطيع أن تحكم بأنّ التوقّف هو القاعدة الأوّليّة ، وأنّ التخيير لا مستند له ؛ إذ لم يبق ما يصلح مستندا له إلاّ الرواية الأولى ، وهي لا تصلح لمعارضة الروايات الكثيرة الدالّة على وجوب التوقّف ، والردّ إلى الإمام.

أمّا الخامسة ـ وهي مرفوعة زرارة ـ : فهي ضعيفة السند جدّا ، ـ وقد أشرنا فيما سبق إلى ذلك ، وسيأتي بيانه ـ ؛ على أنّ راويها نفسه عقّبها بالمرسلة المتقدّمة بالرقم (١١) الواردة في التوقّف ، والإرجاء.

وأمّا السابعة ـ مرسلة الكلينيّ ـ : فليس من البعيد أنّها من استنباطاته ، حسبما فهمه من الروايات ، لا أنّها رواية مستقلّة في قبال سائر روايات الباب. ويشهد لذلك ما ذكره في مقدّمة «الكافي» من مرسلة أخرى بهذا المضمون : «بأيّهما أخذتم من باب التسليم وسعكم» ، (٢) ؛ لأنّه لم ترد عنده رواية بهذا التعبير إلاّ تلك المرسلة التي نحن بصددها ، وهي بخطاب المفرد ، وهذه بخطاب الجمع. وعليه ، فيظهر أنّ المرسلتين معا هما من مستنبطاته ، فلا يصحّ الاعتماد عليهما.

إذا عرفت ما ذكرناه يظهر لك أنّ القول بالتخيير لا مستند له يصلح لمعارضة أخبار

__________________

(١) الحدائق الناضرة : ١ : ١٠٠. وراجع أيضا فرائد الأصول ٢ : ٧٦٣.

(٢) الكافي ١ : ٨.

التوقّف ، ولا للخروج عن القاعدة الأوّليّة للمتعارضين ، وهي التساقط ، وإن كان التخيير مذهب المشهور.

وأمّا أخبار التوقّف : فإنّها ـ مضافا إلى كثرتها وصحّة بعضها وقوّة دلالتها ـ لا تنافي قاعدة التساقط في الحقيقة ؛ لأنّ الإرجاء والتوقّف لا يزيد على التساقط ، بل هو من لوازمه ، فأخبار التوقّف تكون على القاعدة.

وقيل (١) في وجه تقديم أخبار التخيير : «إنّ أدلّة التخيير مطلقة بالنسبة إلى زمن الحضور ، بينما أنّ أخبار التوقّف مقيّدة به. وصناعة الإطلاق والتقييد تقتضي رفع التعارض بينهما بحمل المطلق على المقيّد. ونتيجة ذلك ، التخيير في زمان الغيبة ، كما عليه المشهور».

أقول : إنّ أخبار التوقّف كلّها بلسان الإرجاء إلى ملاقاة الإمام ، فلا يستفاد منها تقييد الحكم بالتوقّف بزمان الحضور ؛ لأنّ استفادة ذلك تتوقّف على أن يكون للغاية مفهوم ، وقد تقدّم بيان المناط في استفادة مفهوم الغاية ، فقلنا : «إنّ الغاية إذا كانت قيدا للموضوع ، أو المحمول فقط لا دلالة لها على المفهوم ، ولا تدلّ على المفهوم إلاّ إذا كان التقييد بالغاية راجعا إلى الحكم». (٢) والغاية هنا غاية لنفس الإرجاء ، لا لحكمه ، وهو الوجوب ، يعني أنّ المستفاد من هذه الأخبار أنّ نفس الإرجاء مغيّا بملاقاة الإمام ، لا وجوبه.

والحاصل أنّه لا يفهم من أخبار التوقّف ، إلاّ أنّه لا يجوز الأخذ بالأخبار المتعارضة المتكافئة ، ولا العمل بواحد منها ، وإنّما يحال الأمر في شأنها إلى الإمام ويؤجّل البتّ (٣) فيها إلى ملاقاته لتحصيل الحجّة على الحكم بعد السؤال عنه. فهي تقول بما يؤول إلى أنّ الأخبار المتعارضة المتكافئة لا تصلح لإثبات الحكم ، فلا تجوز الفتوى ولا العمل بأحدها ، وينحصر الأمر حينئذ بملاقاة الإمام والسؤال عنه. فإذا لم تحصل الملاقاة ولو لغيبة الإمام ، فلا يجوز الإقدام على العمل بأحد المتعارضين.

وعلى هذا ، فتكون هذه الأخبار مباينة لأخبار التخيير ، لا أخصّ منها.

__________________

(١) والقائل هو المحقّق النائينيّ في فوائد الأصول ٤ : ٧٦٥.

(٢) راجع الجزء الأوّل : ١٤٠.

(٣) أي : القطع. فالمعنى : يؤخّر القطع.