درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۷۹: مباحث حجت ۶۱

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الأمر الثالث : المرجّحات

تقدّم أنّ من شروط تحقّق التعارض أن يكون كلّ من الدليلين واجدا لشرائط الحجّيّة في حدّ نفسه ؛ (١) لأنّه لا تعارض بين الحجّة واللاحجّة ، (٢) فإذا بحثنا عن المرجّحات فالذي نعنيه أن نبحث عمّا يرجّح الحجّة على الأخرى ، بعد فرض حجّيّتهما معا في أنفسهما ، لا عمّا يقوّم أصل الحجّة ، ويميّزها عن اللاحجة. وعليه ، فالجهة التي تكون من مقوّمات الحجّة مع قطع النظر عن المعارضة لا تدخل في مرجّحات باب التعارض ، بل تكون من مميّزات الحجّة عن اللاحجّة.

ومن أجل هذا يجب أن نتنبّه إلى الروايات المذكورة في باب الترجيحات ، وإلى أنّها واردة في صدد أيّ شيء من ذلك؟ في صدد الترجيح أو التمييز؟

فلو كانت على النحو الثاني لا يكون فيها شاهد على ما نحن فيه ، كما قاله الشيخ صاحب الكفاية قدس‌سره في روايات الترجيح بموافقة الكتاب (٣) كما سيأتي (٤).

إذا عرفت ما ذكرناه من جهة البحث التي نقصدها في بيان المرجّحات ، فنقول : إنّ المرجّحات ـ المدّعى أنّها منصوص عليها في الأخبار ـ خمسة أصناف :

الترجيح بالأحدث تأريخا ، وبصفات الراوي ، وبالشهرة ، وبموافقة الكتاب ، وبمخالفة العامّة.

فينبغي أوّلا : البحث عنها واحدة واحدة ، ثمّ بيان أيّة منها أولى بالتقديم لو تعارضت؟ ثمّ بيان أنّه هل يجب الاقتصار عليها ، أو يتعدّى إلى غيرها؟ فهنا ثلاثة مقامات :

__________________

(١) تقدّم في الصفحة : ٥٤٦.

(٢) كما لا تعارض بين اللاحجّتين.

(٣) كفاية الأصول : ٥٠٥ ـ ٥٠٦.

(٤) سيأتي في الصفحة : ٥٨٥.

المقام الأوّل : المرجّحات الخمسة

١. الترجيح بالأحدث

في هذا الترجيح روايات أربع ، (١) نكتفي منها بما رواه الكلينيّ بسنده إلى أبي عبد الله عليه‌السلام قال : «أرأيتك لو حدّثتك بحديث العامّ ، ثمّ جئتني من قابل فحدّثتك بخلافه ، بأيّهما كنت تأخذ؟» قال : كنت آخذ بالأخير. فقال لي : «رحمك الله!» (٢).

أقول : إنّ الذي يستظهره بعض أجلّة مشايخنا قدس‌سره (٣) أنّ هذه الروايات لا شاهد بها على ما نحن فيه ، أي إنّها لا تدلّ على ترجيح الأحدث من البيانين كقاعدة عامّة بالنسبة إلى كلّ مكلّف ، وبالنسبة إلى جميع العصور ؛ لأنّها لا تدلّ على ذلك إلاّ إذا فهم منها أنّ الأحدث هو الحكم الواقعيّ ، وأنّ الأوّل واقع موقع التقيّة ، أو نحوها ؛ مع أنّه لا يفهم منها أكثر من أنّ من ألقي إليه البيان خاصّة حكمه الفعليّ ما تضمّنه البيان الأخير ، وليست ناظرة إلى أنّه هو الحكم الواقعيّ ، فلربما كان حكما ظاهريّا بالنسبة إليه من باب التقيّة ، كما أنّه ليست ناظرة إلى أنّ هذا الحكم الفعليّ هو حكم كلّ أحد في كلّ زمان.

والحاصل أنّ هذه الطائفة من الروايات لا دلالة فيها على أنّ البيان الأخير يتضمّن الحكم الواقعيّ ، وأنّ ذلك بالنسبة إلى جميع المكلّفين في جميع الأزمنة ، حتى يكون الأخذ بالأحدث

__________________

(١) الأولى : رواية الحسين بن مختار الآتية.

الثانية : رواية أبي عمرو الكناني ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، وهي موافقة مع الرواية الأولى مضمونا ، وزيد فيها : «أبى الله ألاّ يعبد سرّا ، أما والله لئن فعلتم ذلك إنّه لخير لي ولكم ، أبى الله لنا في دينه إلاّ التقيّة». وسائل الشيعة ١٨ : ٧٩ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث : ١٧.

الثالثة : رواية المعلّى بن خنيس : قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : إذا جاء حديث عن أوّلكم وحديث عن آخركم ، بأيّهما نأخذ؟ قال : «خذوا به حتّى يبلغكم عن الحيّ ، فإن بلغكم عن الحيّ فخذوا بقوله». وسائل الشيعة ١٨ : ٧٨ ، الباب ٩ أبواب صفات القاضي ، الحديث ٨.

الرابعة : رواية محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : «إنّ الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن». وسائل الشيعة ١٨ : ٧٧ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٤.

(٢) الكافي ١ : ٦٧.

(٣) وهو أستاذه المحقّق الشيخ محمد حسين الأصفهانيّ في نهاية الدراية ٣ : ٣٦٥ ـ ٣٦٦.

وظيفة عامّة لجميع المكلّفين ، وفي جميع الأزمان حتى زمن الغيبة ولو كان من باب التقيّة ، ولا شكّ أنّ الأزمان والأشخاص تتفاوت وتختلف من جهة شدّة التقيّة ، أو لزومها.

٢. الترجيح بالصفات :

إنّ الروايات التي ذكرت الترجيح بالصفات تنحصر في مقبولة ابن حنظلة ، ومرفوعة زرارة ، المشار إليهما سابقا. (١) والمرفوعة ـ كما قلنا ـ ضعيفة جدّا ؛ لأنّها مرفوعة ، ومرسلة ، ولم يروها إلاّ صاحب «عوالي اللآلئ» (٢). وقد طعن صاحب «الحدائق» في التأليف والمؤلّف ، إذ قال : «فإنّا لم نقف عليها في غير كتاب «عوالي اللآلئ» مع ما هي عليه من الرفع والإرسال ، وما عليه الكتاب ، من نسبة صاحبه إلى التساهل في نقل الأخبار والإهمال ، وخلط غثّها (٣) بسمينها وصحيحها بسقيمها» (٤).

إذن ، الكلام فيها فضول ، فالعمدة في الباب المقبولة التي قبلها العلماء ؛ لأنّ راويها صفوان بن يحيى الذي هو من أصحاب الإجماع ـ أي الذين أجمع الصحابة على تصحيح ما يصحّ عنهم ـ ، كما رواها المشايخ الثلاثة في كتبهم (٥). وإليك نصّها بعد حذف مقدّمتها :

قلت : فإن كان كلّ رجل اختار رجلا من أصحابنا ، فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما ، واختلفا فيما حكما ، وكلاهما اختلفا (٦) في حديثكم؟

قال : «الحكم ما حكم به أعدلهما ، وأفقههما ، وأصدقهما في الحديث ، وأورعهما ، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر».

قلت : فإنّهما عدلان مرضيّان عند أصحابنا ، لا يفضل واحد منهما على الآخر؟

قال : «ينظر إلى ما كان من روايتهم عنّا في ذلك الذي به حكما ، المجمع عليه من

__________________

(١) راجع الصفحتين : ٥٧٣ و ٥٧٥.

(٢) عوالي اللآلئ ٤ : ١٣٣ ح ٢٢٩.

(٣) أي : رديئها.

(٤) الحدائق الناضرة ١ : ٩٩.

(٥) الكافي ١ : ٦٧ ؛ الفقيه ٣ : ٩ ـ ١٠ ، تهذيب الأحكام ٦ : ٣٤٦ ـ ٣٤٧.

(٦) استعمال لا تساعده اللغة ؛ فإنّ خبر (كلا) و (كلتا) دائما مفرد.

أصحابك ، فيؤخذ به من حكمنا ، ويترك الشاذّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك ، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه. وإنّما الأمور ثلاثة : أمر بيّن رشده فيتّبع ، وأمر بيّن غيّه فيجتنب ، وأمر مشكل يردّ علمه إلى الله ورسوله. قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : حلال بيّن ، وحرام بيّن ، وشبهات بين ذلك ، فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات ، ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرّمات ، وهلك من حيث لا يعلم».

قلت : فإن كان الخبران عنكما (١) مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟

قال : «ينظر ، فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنّة ، وخالف العامّة فيؤخذ به ، ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنّة ، ووافق العامّة».

قلت : ـ جعلت فداك ـ أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب ، والسنّة ، ووجدنا أحد الخبرين موافقا للعامّة والآخر مخالفا لهم ، بأيّ الخبرين يؤخذ؟

قال : «ما خالف العامّة ففيه الرشاد».

قلت : ـ جعلت فداك ـ فإن وافقهم الخبران جميعا؟

قال : «انظر إلى ما هم إليه أميل حكّامهم وقضاتهم فيترك ، ويؤخذ بالآخر».

قلت : فإن وافق حكّامهم الخبرين جميعا؟

قال : «إذا كان ذلك فأرجه (٢) (وفي بعض النسخ : فأرجئه (٣)) ، حتى تلقى إمامك ، فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات». انتهت المقبولة.

أقول : (٤) من الواضح أنّ موردها التعارض بين الحاكمين ، لا بين الراويين ، ولكن لمّا كان الحكم والفتوى في الصدر الأوّل يقعان بنصّ الأحاديث ـ لا أنّهما يقعان بتعبير من الحاكم ، أو المفتي ، كالعصور المتأخّرة استنباطا من الأحاديث ـ تعرّضت هذه المقبولة للرواية والراوي ؛ لارتباط الرواية بالحكم. ومن هنا استدلّ بها على الترجيح للروايات المتعارضة.

غير أنّه ـ مع ذلك ـ لا يجعلها شاهدة على ما نحن فيه. والسرّ في ذلك واضح ؛ لأنّ

__________________

(١) أي : الباقر والصادق عليهما‌السلام. ـ منه قدس‌سره ـ.

(٢ و ٣). أي : أخّره.

(٤) كما قال به المحقّق الأصفهانيّ في نهاية الدراية ٣ : ٣٦٦ ـ ٣٦٧.