درس الروضة البهیة (فقه ۱) (الطهارة - الخمس)

جلسه ۱۴۱: نماز قضا (۸)

 

الحدث بعد الوضوء ، سواء وقع في الصلاة أم قبلها إن لم يتمكّن من حفظ نفسه مقدار الصلاة ، وإلّا استأنفها ، محتجّين بأنّ الحدث المتجدّد لو نقض الطهارة لأبطل الصلاة ـ لأنّ المشروط عَدَمٌ عند عَدَمِ شرطه ـ وبالأخبار الدالّة على أنّ الحدث يقطع الصلاة (١).

﴿ والأقرب الأوّل ، لتوثيقِ رجال الخبر ﴾ الدالّ على البناء على ما مضى من الصلاة بعد الطهارة ﴿ عن الباقر* عليه‌السلام ﴾ والمراد توثيق رجاله على وجهٍ يستلزم صحّةَ الخبر ، فإنّ التوثيق أعمّ منه عندنا ، والحال أنّ الخبرَ الوارد في ذلك صحيحٌ باعتراف الخصم (٢) فيتعيّن العمل به؛ لذلك ﴿ وشهرتِهِ بين الأصحاب ﴾ خصوصاً المتقدّمين.

ومن خالف حُكمَه أوَّلَه بأنّ المراد ب‍ «البناء» الاستئناف (٣).

وفيه : أنّ البناء على الشيء يستلزم سبق شيءٍ منه يُبنى عليه ، ليكون الماضي بمنزلة الأساس لغةً وعرفاً ، مع أنّهم لا يوجبون الاستئناف ، فلا وجه لحملهم عليه.

والاحتجاج بالاستلزام (٤) مصادرةٌ؛ وكيف يتحقّق التلازم مع ورود النصّ

____________________

(١) راجع الوسائل ٤ : ١٢٤٠ ، الباب الأوّل من أبواب قواطع الصلاة.

(*) في (س) : عن الصادق عليه‌السلام.

(٢) قال الفاضل الإصفهاني قدس‌سره : وهو العلّامة ، فإنّه صرّح في المختلف بصحّة رواية الصدوق عن محمّد بن مسلم مع أنّ في طريقها «عليّ بن أحمد بن عبد اللّٰه بن أحمد بن أبي عبد اللّٰه ، عن أبيه» وهما غير مذكورين في كتب الرجال ... وصرّح في المنتهى في فصل تروك الصلاة بصحّة رواية الشيخ عن الفضيل بن يسار. المناهج السويّة : ٣٤٤.

(٣) لم نعثر على من أوّله بذلك.

(٤) أي استلزام نقض الطهارة نقضَ الصلاة.

الصحيح بخلافه؟

والأخبارُ الدالّة على قطع مطلق الحدث لها مخصوصةٌ بالمستحاضة والسَّلس اتّفاقاً ، وهذا الفرد يشاركهما بالنصِّ الصحيح ومصيرِ جمعٍ إليه (١) وهو كافٍ في التخصيص. نعم ، هو غريبٌ ، لكنّه ليس بعادم للنظير ، فقد ورد صحيحاً قطع الصلاة والبناء عليها في غيره (٢) مع أنّ الاستبعاد غير مسموع.

﴿ الثالثة ﴾ :

﴿ يُستحبّ تعجيل القضاء ﴾ استحباباً مؤكَّداً ، سواء الفرض والنفل ، بل الأكثر على فوريّة قضاء الفرض (٣) وأ نّه لا يجوز الاشتغال عنه بغير الضروريّ : من أكل ما يُمسك الرمق ، ونومٍ يضطرّ إليه ، وشغلٍ يتوقّف عليه (٤) ونحو ذلك. وأفرده بالتصنيف جماعة (٥) وفي كثيرٍ من الأخبار دلالةٌ عليه (٦) إلّا أنّ حملها على

____________________

(١) هم جماعة من المتقدّمين ، تقدّم ذكرهم في الصفحة ٢٩٥ ، الهامش ٤.

(٢) أي في غير المبطون ، مثل ما رواه في الوسائل ٤ : ١٢٤٤ ، الباب ٢ من أبواب قواطع الصلاة ، الحديث الأوّل.

(٣) الأكثر من القدماء ، راجع المختلف ٣ : ٣.

(٤) كما صرّح بها السيّد المرتضى في جوابات المسائل الرسّيّة الاُولى (المجموعة الثانية) : ٣٦٥ ، وابن إدريس في السرائر ١ : ٢٧٤.

(٥) منهم : محمّد بن إدريس الحلّي المتوفّى ٥٩٨ ه‍ ، وأبو الحسين ورّام بن أبي فراس المتوفّى ٦٠٥ ه‍ ، والسيّد ابن طاووس المتوفى ٦٦٤ ه‍ ، راجع الذريعة ٢ : ٣٩٥ و ٢٣ : ٢٢٢ و ٢٢٣.

(٦) راجع الوسائل ٥ : ٣٤٧ ، الباب الأوّل من أبواب قضاء الصلوات. والوسائل ٣ : ٢٠٦ ، الباب ٦١ من أبواب المواقيت ، الحديث ٣ و ٦.

الاستحباب المؤكَّد طريق الجمع بينها وبين ما دلّ على التوسعة (١).

﴿ ولو كان ﴾ الفائتُ ﴿ نافلةً لم ينتظر بقضائها مثلَ زمان فواتها ﴾ من ليلٍ أو نهارٍ ، بل يقضي نافلة الليل نهاراً وبالعكس؛ لأنّ اللّٰه تعالى جعل كلّاً منهما خِلْفةً للآخر (٢) وللأمر بالمسارعة إلى أسباب المغفرة (٣) وللأخبار (٤).

وذهب جماعةٌ من الأصحاب إلى استحباب المماثلة (٥) استناداً إلى روايةِ إسماعيل الجعفي عن الباقر عليه‌السلام : «أفضلُ قضاء النوافل قضاء صلاة الليل بالليل وصلاة النهار بالنهار» (٦) وغيرها (٧).

وجُمع بينهما بالحمل بالأفضل (٨) والفضيلة؛ إذ عدم انتظار مثل الوقت فيه مسارعةٌ إلى الخير ، وهو فضل. كذا أجاب في الذكرى (٩) وهو يُؤذِن بأفضليّة المماثلة؛ إذ لم يذكر الأفضل إلّا في دليلها. وأطلق في باقي كتبه استحبابَ التعجيل (١٠)

____________________

(١) منها ما رواه في الوسائل ٥ : ٣٥٨ ، الباب ٤ من أبواب قضاء الصلوات ، الحديث ١٥ ، وما رواه البحار ٨٨ : ٣٢٧ ، الحديث ٦.

(٢) إشارة إلى قوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً). الفرقان : ٦٢.

(٣) آل عمران : ١٣٣.

(٤) راجع الوسائل ٣ : ١٩٩ ، الباب ٥٧ من أبواب المواقيت.

(٥) نقله في المختلف (٣ : ٢٧) عن ابن الجنيد ، وفي الذكرى (٢ : ٤٤١) عن المفيد في الأركان.

(٦) الوسائل ٣ : ٢٠٠ ، الباب ٥٧ من أبواب المواقيت ، الحديث ٧.

(٧) المصدر السابق ، الحديث ٦ و ١١.

(٨) في (ر) : على الأفضل.

(٩) الذكرى ٢ : ٤٤١.

(١٠) البيان : ١١٣ ، الدروس ١ : ١٤٦ ، النفليّة : ١٠٦.

والأخبار به كثيرة (١) إلّا أنّها خاليةٌ عن الأفضليّة.

﴿ وفي جواز النافلة لمن عليه فريضةٌ قولان (٢) أقربهما الجواز ﴾ للأخبار الكثيرة الدالّة عليه (٣) ﴿ وقد بيّنّا مأخذه في كتاب الذكرى (٤) ﴾ بإ يراد ما ورد فيه من الأخبار ، وحرّرنا نحن ما فيه في شرح الإرشاد (٥).

واستند المانع أيضاً إلى أخبار دلّت على النهي (٦) وحَمْلُه على الكراهة طريق الجمع ، نعم يعتبر عدم إضرارها بالفريضة. ولا فرق بين ذوات الأسباب وغيرها.

____________________

(١) راجع الوسائل ٣ : ١٩٩ ، الباب ٥٧ من أبواب المواقيت.

(٢) اختار الجواز المحقّق الثاني في جامع المقاصد ٢ : ٢٤ ، وذهب إلى عدم الجواز العلّامة في التذكرة ٢ : ٣٥٩ ، ونهاية الإحكام ١ : ٣٢٥.

(٣) راجع الوسائل ٣ : ٢٠٦ ، اذلباب ٦١ من أبواب المواقيت.

(٤) الذكرى ٢ : ٤٠٢.

(٥) روض الجنان ٢ : ٤٩٧.

(٦) الوسائل ٥ : ٣٥٠ ، الباب ٢ من أبواب قضاء الصلوات ، الحديث ٣ ، ومستدرك الوسائل ٦ : ٤٣٣ ، الباب ٢ من أبواب قضاء الصلوات ، الحديث ٥.