درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۲: مقدمات استصحاب ۲

 

الدروس إلى القوم ، فقال : إنّ القوم ذكروا أنّ الاستصحاب إثبات حكم في زمان لوجوده في زمان سابق عليه (١).

تعريف صاحب القوانين والمناقشة فيه

وأزيف التعاريف تعريفه بأنّه : «كون حكم أو وصف يقينيّ الحصول في الآن السابق مشكوك البقاء في الآن اللاحق» (٢) ؛ إذ لا يخفى أنّ كون حكم أو وصف كذلك ، هو محقّق مورد الاستصحاب ومحلّه ، لا نفسه. ولذا صرّح في المعالم ـ كما عن غاية المأمول (٣) ـ : بأنّ استصحاب الحال ، محلّه أن يثبت حكم في وقت ، ثمّ يجيء وقت آخر ، ولا يقوم دليل على انتفاء ذلك الحكم ، فهل يحكم ببقائه على ما كان ، وهو الاستصحاب؟ (٤) انتهى.

توجيه تعريف القوانين

ويمكن توجيه التعريف المذكور : بأنّ المحدود هو الاستصحاب المعدود من الأدلّة ، وليس الدليل إلاّ ما أفاد العلم أو الظنّ بالحكم ، والمفيد للظنّ بوجود الحكم في الآن اللاحق ليس إلاّ كونه يقينيّ الحصول في الآن السابق ، مشكوك البقاء في الآن اللاحق ؛ فلا مناص عن تعريف الاستصحاب المعدود من الأمارات إلاّ (٥) بما ذكره قدس‌سره.

عدم تمامية التوجيه المذكور

لكن فيه : أنّ الاستصحاب ـ كما صرّح به هو قدس‌سره في أوّل كتابه (٦) ـ

__________________

(١) مشارق الشموس : ٧٦ ، وفيه : «إثبات حكم شرعيّ ... الخ».

(٢) هذا التعريف للمحقّق القمّي في القوانين ٢ : ٥٣.

(٣) غاية المأمول في شرح زبدة الاصول للفاضل الجواد (مخطوط) : الورقة ١٢٨ ، وحكاه عنه السيّد المجاهد في مفاتيح الاصول : ٦٣٤.

(٤) المعالم : ٢٣١.

(٥) لم ترد «إلاّ» في (ت) و (ه).

(٦) القوانين ١ : ٩.

إن اخذ من العقل كان داخلا في دليل العقل (١) ، وإن اخذ من الأخبار فيدخل في السنّة ، وعلى كلّ تقدير ، فلا يستقيم تعريفه بما ذكره ؛ لأنّ دليل العقل هو حكم عقليّ يتوصّل به إلى حكم شرعيّ ، وليس هنا إلاّ حكم العقل ببقاء ما كان على ما كان (٢) ، والمأخوذ من السنّة ليس إلاّ وجوب الحكم ببقاء ما كان على ما كان ، فكون الشيء معلوما سابقا مشكوكا فيه لاحقا (٣) لا ينطبق على الاستصحاب بأحد الوجهين.

تعريف شارح المختصر

نعم ذكر شارح المختصر : «أنّ معنى استصحاب الحال أنّ الحكم الفلاني قد كان ولم يظنّ عدمه ، وكلّ ما كان كذلك فهو مظنون البقاء» (٤).

فإن كان الحدّ هو خصوص الصغرى انطبق على التعريف المذكور ، وإن جعل خصوص الكبرى انطبق على تعاريف (٥) المشهور.

تعريف صاحب الوافية

وكأنّ صاحب الوافية استظهر منه (٦) كون التعريف مجموع المقدّمتين ، فوافقه في ذلك ، فقال : الاستصحاب هو التمسّك بثبوت ما ثبت في وقت أو حال على بقائه فيما بعد ذلك الوقت أو في غير تلك الحال ، فيقال :

__________________

(١) كذا في (ر) و (ظ) ، وفي غيرهما : «الدليل العقلي».

(٢) لم ترد «على ما كان» في (ر).

(٣) «لاحقا» من (ه).

(٤) شرح مختصر الاصول ٢ : ٤٥٣.

(٥) في (ت) و (ه): «تعريف».

(٦) لم ترد «منه» في (ظ).

إنّ الأمر الفلاني قد كان ولم يعلم عدمه ، وكلّ ما كان كذلك فهو باق (١) ، انتهى. ولا ثمرة مهمّة في ذلك.

__________________

(١) الوافية : ٢٠٠.

بقي الكلام في امور :

الأوّل

هل الاستصحاب أصل عمليّ أو أمارة ظنّية؟

أنّ عدّ الاستصحاب من الأحكام الظاهريّة الثابتة للشيء بوصف كونه مشكوك الحكم ـ نظير أصل البراءة وقاعدة الاشتغال ـ مبنيّ على استفادته من الأخبار ، وأمّا بناء على كونه من أحكام العقل فهو دليل ظنّيّ اجتهاديّ ، نظير القياس والاستقراء ، على القول بهما.

المختار كونه من الاصول العمليّة

وحيث إنّ المختار عندنا هو الأوّل ، ذكرناه في الاصول العمليّة المقرّرة للموضوعات بوصف كونها مشكوكة الحكم ، لكن ظاهر كلمات الأكثر ـ كالشيخ (١) والسيّدين (٢) والفاضلين (٣) والشهيدين (٤) وصاحب المعالم (٥) ـ

__________________

(١) العدّة ٢ : ٧٥٨.

(٢) السيّد المرتضى في الذريعة ٢ : ٨٢٩ ـ ٨٣٢ ، والسيّد ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهيّة) : ٤٨٦.

(٣) المحقّق في المعارج : ٢٠٦ ـ ٢٠٨ ، والمعتبر ١ : ٣٢ ، والعلاّمة في مبادئ الوصول : ٢٥٠ و ٢٥١ ، وتهذيب الوصول : ١٠٥ ، ونهاية الوصول (مخطوط) : ٤٠٧.

(٤) الشهيد الأوّل في الذكرى ١ : ٥٣ ، والقواعد والفوائد ١ : ١٣٢ ، والشهيد الثاني في تمهيد القواعد : ٢٧١.

(٥) المعالم : ٢٣٣ ـ ٢٣٤.

كونه حكما عقليّا ؛ ولذا لم يتمسّك أحد (١) هؤلاء فيه بخبر من الأخبار.

نعم ، ذكر في العدّة (٢) ـ انتصارا للقائل بحجّيته ـ ما روي عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من : «أنّ الشيطان ينفخ (٣) بين أليتي المصلّي فلا ينصرفنّ أحدكم إلاّ بعد أن يسمع صوتا أو يجد ريحا» (٤).

ومن العجب أنّه انتصر بهذا الخبر الضعيف المختصّ بمورد خاصّ ، ولم يتمسّك بالأخبار الصحيحة العامّة المعدودة ـ في حديث الأربعمائة ـ من أبواب العلوم (٥).

وأوّل من تمسّك بهذه الأخبار ـ فيما وجدته ـ والد الشيخ البهائي قدس‌سره ، فيما حكي عنه في العقد الطهماسبي (٦) ، وتبعه صاحب الذخيرة (٧) وشارح الدروس (٨) ، وشاع بين من تأخّر عنهم (٩).

__________________

(١) في (ت) و (ه) زيادة : «من».

(٢) العدّة ٢ : ٧٥٧ ـ ٧٥٨.

(٣) في العدّة هكذا : «إنّ الشيطان يأتي أحدكم فينفخ بين أليتيه ، فيقول : أحدثت أحدثت ، فلا ينصرفنّ حتّى يسمع صوتا أو يجد ريحا».

(٤) لم نعثر عليه بعينه في المجاميع الحديثية من الخاصّة والعامّة. نعم ، ورد ما يقرب منه في عوالي اللآلي ١ : ٣٨٠ ، الحديث الأوّل.

(٥) الوسائل ١ : ١٧٥ ، الباب ١ من أبواب نواقض الوضوء ، الحديث ٦ ، وانظر الخصال : ٦٠٩ ـ ٦٣٧.

(٦) العقد الطهماسبي (مخطوط) : الورقة ٢٨.

(٧) الذخيرة : ٤٤ و ١١٥ ـ ١١٦.

(٨) مشارق الشموس : ٧٦ و ١٤١ ـ ١٤٢.

(٩) كما في الحدائق ١ : ١٤٢ ـ ١٤٣ ، والفصول : ٣٧٠ ، والقوانين ٢ : ٥٥.