درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۶: مقدمات استصحاب ۶

 

للمقلّد (١) ، فهي ممّا يحتاج إليه المجتهد فقط ولا ينفع للمقلّد ، وهذا من خواصّ المسألة الاصوليّة ؛ فإنّ المسائل الاصوليّة لمّا مهّدت للاجتهاد واستنباط الأحكام من الأدلّة اختصّ التكلّم فيها بالمستنبط ، ولا حظّ لغيره فيها.

فإن قلت : إنّ اختصاص هذه المسألة بالمجتهد ؛ لأجل أنّ موضوعها ـ وهو الشكّ في الحكم الشرعيّ وعدم قيام الدليل الاجتهادي عليه ـ لا يتشخّص إلاّ للمجتهد ، وإلاّ فمضمونه وهو : العمل على طبق الحالة السابقة وترتيب آثارها ، مشترك بين المجتهد والمقلّد.

قلت : جميع المسائل الاصوليّة كذلك ؛ لأنّ وجوب العمل بخبر الواحد وترتيب آثار الصدق عليه ليس مختصّا بالمجتهد. نعم ، تشخيص مجرى خبر الواحد وتعيين مدلوله وتحصيل شروط العمل به مختصّ بالمجتهد ؛ لتمكّنه من ذلك وعجز المقلّد عنه ، فكأنّ المجتهد نائب عن المقلّد (٢) في تحصيل مقدّمات العمل بالأدلّة الاجتهاديّة وتشخيص مجاري الاصول العمليّة ، وإلاّ فحكم الله الشرعيّ في الاصول والفروع مشترك بين المجتهد والمقلّد.

كلام السيد بحر العلوم فيما يرتبط بالمقام

هذا ، وقد جعل بعض السادة الفحول (٣) الاستصحاب دليلا على الحكم في مورده ، وجعل قولهم : : «لا تنقض اليقين بالشكّ» دليلا على الدليل ـ نظير آية النبأ بالنسبة إلى خبر الواحد ـ حيث قال :

__________________

(١) في (ظ): «المقلّد».

(٢) في (ت) ، (ظ) و (ه) بدل «عن المقلّد» : «عنه».

(٣) هو السيّد بحر العلوم في فوائده.

إنّ استصحاب الحكم المخالف للأصل في شيء ، دليل شرعيّ رافع لحكم الأصل ، ومخصّص لعمومات الحلّ ـ إلى أن قال في آخر كلام له سيأتي نقله (١) ـ : وليس عموم قولهم : : «لا تنقض اليقين بالشكّ» بالقياس إلى أفراد الاستصحاب وجزئيّاته ، إلاّ كعموم آية النبأ بالقياس إلى آحاد الأخبار المعتبرة (٢) ، انتهى.

المناقشة فيما أفاده بحر العلوم

أقول : معنى الاستصحاب الجزئيّ في المورد الخاصّ ـ كاستصحاب نجاسة الماء المتغيّر ـ ليس إلاّ الحكم بثبوت النجاسة في ذلك الماء النجس سابقا ، وهل هذا إلاّ نفس الحكم الشرعي؟! وهل الدليل عليه إلاّ قولهم : : «لا تنقض اليقين بالشكّ» (٣)؟! وبالجملة : فلا فرق بين الاستصحاب وسائر القواعد المستفادة من العمومات.

هذا كلّه في الاستصحاب الجاري في الشبهة الحكميّة المثبت للحكم الظاهري الكلّي.

الاستصحاب الجاري في الشبهة الموضوعيّة

وأمّا الجاري في الشبهة الموضوعيّة ـ كعدالة زيد ونجاسة ثوبه وفسق عمرو وطهارة بدنه ـ فلا إشكال في كونه حكما فرعيّا ، سواء كان التكلّم فيه من باب الظنّ ، أم كان من باب كونها قاعدة تعبّديّة مستفادة من الأخبار ؛ لأنّ التكلّم فيه على الأوّل ، نظير التكلّم في اعتبار سائر الأمارات ، ك «يد المسلمين» و «سوقهم» و «البيّنة» و «الغلبة» ونحوها في الشبهات الخارجيّة. وعلى الثاني ، من باب أصالة الطهارة وعدم الاعتناء بالشكّ بعد الفراغ ، ونحو ذلك.

__________________

(١) انظر الصفحة ٢٧٦ و ٢٧٧.

(٢) فوائد السيد بحر العلوم : ١١٦ ـ ١١٧.

(٣) الوسائل ١ : ١٧٤ ، الباب ١ من أبواب نواقض الوضوء ، الحديث الأوّل.

الرابع

مناط الاستصحاب بناء على كونه من باب التعبّد

أنّ المناط في اعتبار الاستصحاب على القول بكونه من باب التعبّد الظاهري (١) ، هو مجرّد عدم العلم بزوال الحالة السابقة.

ليس المناط الظنّ الشخصي بناء على كونه من باب الظنّ

وأمّا على القول بكونه من باب الظنّ ، فالمعهود من طريقة الفقهاء عدم اعتبار إفادة الظنّ في خصوص المقام ؛ كما يعلم ذلك من حكمهم بمقتضيات الاصول كلّية مع عدم اعتبارهم أن يكون العامل بها ظانّا ببقاء الحالة السابقة (٢) ، ويظهر ذلك بأدنى تتبّع (٣) في أحكام العبادات والمعاملات والمرافعات والسياسات.

كلام الشيخ البهائي في أن المناط الظن الشخصي

نعم ، ذكر شيخنا البهائي قدس‌سره في الحبل المتين ـ في باب الشكّ في الحدث بعد الطهارة ـ ما يظهر منه اعتبار الظنّ الشخصيّ ، حيث قال :

لا يخفى أنّ الظنّ الحاصل بالاستصحاب في من تيقّن الطهارة وشكّ في الحدث ، لا يبقى على نهج واحد ، بل يضعف بطول المدّة شيئا

__________________

(١) لم ترد «الظاهري» في (ظ).

(٢) انظر الجواهر ٢ : ٣٤٧.

(٣) كذا في (ه) و (ت) ، وفي غيرهما : «لأدنى متتبّع».