درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۸: مقدمات استصحاب ۸

 

فشيئا ، بل قد يزول الرجحان ويتساوى الطرفان ، بل ربما يصير الراجح مرجوحا ، كما إذا توضّأ عند الصبح وذهل عن التحفّظ ، ثمّ شكّ عند المغرب في صدور الحدث منه ، ولم يكن من عادته البقاء على الطهارة إلى ذلك الوقت. والحاصل : أنّ المدار على الظنّ ، فما دام باقيا فالعمل عليه وإن ضعف (١). انتهى كلامه ، رفع في الخلد مقامه.

ظاهر شارح الدروس ارتضاؤه ذلك

ويظهر من شارح الدروس ارتضاؤه ؛ حيث قال بعد حكاية هذا الكلام :

ولا يخفى أنّ هذا إنّما يصحّ لو بنى المسألة على أنّ ما تيقّن بحصوله في وقت ولم يعلم أو يظنّ طروّ ما يزيله ، يحصل الظنّ ببقائه ، والشكّ في نقيضه لا يعارضه ؛ إذ الضعيف لا يعارض القويّ.

لكن ، هذا البناء ضعيف جدّا ، بل بناؤها على الروايات مؤيّدة بأصالة البراءة في بعض الموارد ، وهي تشمل الشكّ والظنّ معا ، فإخراج الظنّ منها (٢) ممّا لا وجه له أصلا (٣) ، انتهى كلامه.

استظهار ذلك من كلام الشهيد قدس‌سره في الذكرى

ويمكن استظهار ذلك من الشهيد قدس‌سره في الذكرى حيث ذكر أنّ :

قولنا : «اليقين لا ينقضه الشكّ» ، لا نعني به اجتماع اليقين والشكّ ، بل المراد أنّ اليقين الذي كان في الزمن الأوّل لا يخرج عن حكمه بالشكّ في الزمان الثاني ؛ لأصالة بقاء ما كان ، فيؤول إلى اجتماع الظنّ

__________________

(١) الحبل المتين : ٣٧.

(٢) كذا في (ر) ونسختي بدل (ت) و (ص) ، وهو الأصحّ ، وفي (ت) ، (ظ) و (ص) والمصدر بدل «منها» : «عنه».

(٣) مشارق الشموس : ١٤٢.

والشكّ في الزمان الواحد ، فيرجّح الظنّ عليه ، كما هو مطّرد في العبادات (١) ، انتهى كلامه.

ومراده من الشكّ مجرّد الاحتمال ، بل ظاهر كلامه أنّ المناط في اعتبار الاستصحاب من باب (٢) أخبار عدم نقض اليقين بالشكّ ، هو الظنّ أيضا ، فتأمّل.

__________________

(١) الذكرى ١ : ٢٠٧ ، مع اختلاف في بعض الألفاظ.

(٢) لم ترد «اعتبار الاستصحاب من باب» في (ظ).

الخامس

تقوّم الاستصحاب بأمرين : اليقين بالحدوث ، والشكّ في البقاء

أنّ المستفاد من تعريفنا السابق (١) ـ الظاهر في استناد الحكم بالبقاء إلى مجرّد الوجود السابق ـ أنّ الاستصحاب يتقوّم بأمرين :

أحدهما : وجود الشيء في زمان ، سواء علم به في زمان وجوده أم لا. نعم ، لا بدّ من إحراز ذلك حين إرادة الحكم بالبقاء بالعلم أو الظنّ المعتبر ، وأمّا مجرّد الاعتقاد بوجود شيء في زمان مع زوال ذلك الاعتقاد في زمان آخر ، فلا يتحقّق معه الاستصحاب الاصطلاحي وإن توهّم بعضهم (٢) : جريان عموم (٣) «لا تنقض» فيه ، كما سننبّه عليه (٤).

الاستصحاب القهقري

والثاني : الشكّ في وجوده في زمان لاحق عليه ؛ فلو شكّ في زمان سابق عليه فلا استصحاب ، وقد يطلق عليه الاستصحاب القهقرى مجازا.

__________________

(١) وهو «إبقاء ما كان».

(٢) هو المحقّق السبزواري في ذخيرة المعاد : ٤٤.

(٣) لم ترد «عموم» في (ظ) ، وشطب عليها في (ت) و (ه).

(٤) انظر الصفحة ٣٠٣.

المعتبر هو الشكّ الفعليّ

ثمّ المعتبر هو الشكّ الفعليّ الموجود حال الالتفات إليه ، أمّا لو لم يلتفت (١) فلا استصحاب وإن فرض الشكّ فيه على فرض الالتفات.

فالمتيقّن للحدث إذا التفت إلى حاله في اللاحق فشكّ ، جرى الاستصحاب في حقّه ، فلو غفل عن ذلك وصلّى بطلت صلاته ؛ لسبق الأمر بالطهارة (٢) ، ولا يجري في حقّه حكم الشكّ في الصحّة بعد الفراغ عن العمل ؛ لأنّ مجراه الشكّ الحادث بعد الفراغ ، لا الموجود من قبل (٣).

نعم (٤) ، لو غفل عن حاله بعد اليقين بالحدث وصلّى ، ثمّ التفت وشكّ في كونه محدثا حال الصلاة أو متطهّرا ، جرى في حقّه قاعدة الشكّ بعد الفراغ ؛ لحدوث الشكّ بعد العمل وعدم وجوده قبله حتّى يوجب الأمر بالطهارة والنهي عن الدخول فيه بدونها.

نعم ، هذا الشكّ اللاحق يوجب الإعادة بحكم استصحاب عدم الطهارة ، لو لا حكومة قاعدة الشكّ بعد الفراغ عليه ، فافهم (٥).

__________________

(١) في (ظ) و (ه) زيادة : «إليه».

(٢) لم ترد «لسبق الأمر بالطهارة» في (ظ).

(٣) لم ترد «لأنّ مجراه الشكّ الحادث بعد الفراغ لا الموجود من قبل» في (ظ).

(٤) في (ت) ، (ظ) و (ه) بدل «نعم» : «و».

(٥) في (ظ) بدل «لحدوث ـ إلى ـ فافهم» ما يلي : «ولا يجري الاستصحاب ؛ لأنّ الاستصحاب قبل دخوله في العمل لم ينعقد ؛ لعدم الشكّ الفعلي وإن كان غير عالم بالحال ، وبعد الفراغ غير معتبر ؛ لورود قاعدة الصحّة عليه ، فافهم».