درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۱۴: مقدمات استصحاب ۱۴

 

بالثاني ، ونسب إلى آخر العكس ، حكاهما الفاضل القمّي في القوانين (١).

للحكم الشرعي إطلاقان : ١ ـ الحكم الكلّي ٢ ـ ما يعمّ الحكم الجزئي

وفيه نظر ، يظهر بتوضيح المراد من الحكم الشرعي وغيره ، فنقول : الحكم الشرعيّ يراد به تارة الحكم الكلّي الذي من شأنه أن يؤخذ من الشارع ، كطهارة من خرج منه المذي أو نجاسة ما زال تغيّره بنفسه ، واخرى يراد به ما يعمّ الحكم الجزئي الخاصّ في الموضوع الخاصّ ، كطهارة هذا الثوب ونجاسته ؛ فإنّ الحكم بهما ـ من جهة عدم ملاقاته للنجس أو ملاقاته ـ ليس وظيفة للشارع. نعم ، وظيفته إثبات الطهارة كلّية (٢) لكلّ شيء شكّ في ملاقاته للنجس وعدمها.

إنكار الأخباريين جريان الاستصحاب في الحكم بالإطلاق الأوّل

وعلى الإطلاق الأوّل جرى الأخباريّون ؛ حيث أنكروا اعتبار الاستصحاب في نفس أحكام الله تعالى ، وجعله الأسترابادي من أغلاط من تأخّر عن المفيد ، مع اعترافه باعتبار الاستصحاب في مثل طهارة الثوب ونجاسته (٣) وغيرهما ممّا شكّ فيه من الأحكام الجزئيّة لأجل الاشتباه في الامور الخارجيّة (٤).

وصرّح المحدّث الحرّ العاملي : بأنّ أخبار الاستصحاب لا تدلّ على اعتباره في نفس الحكم الشرعيّ ، وإنّما تدلّ على اعتباره في موضوعاته ومتعلّقاته (٥).

__________________

(١) القوانين ٢ : ٥٧.

(٢) في (ت) و (ر): «الكلّية».

(٣) الفوائد المدنيّة : ١٤٣.

(٤) الفوائد المدنيّة : ١٤٨.

(٥) الفوائد الطوسيّة : ٢٠٨ ، والفصول المهمّة في اصول الأئمّة : ٢٥٠.

والأصل في ذلك عندهم : أنّ الشبهة في الحكم الكلّي لا مرجع فيها إلاّ الاحتياط دون البراءة أو الاستصحاب ؛ فإنّهما عندهم مختصّان بالشبهة في الموضوع.

وعلى الإطلاق الثاني جرى بعض آخر.

قال المحقّق الخوانساري في مسألة الاستنجاء بالأحجار :

تقسيم المحقّق الخوانساري الاستحصاب في الحكم بالإطلاق الثاني

وينقسم الاستصحاب إلى قسمين ، باعتبار [انقسام](١) الحكم المأخوذ فيه إلى شرعي وغيره. ومثّل للأوّل بنجاسة الثوب أو البدن ، وللثاني برطوبته ، ثمّ قال : ذهب بعضهم إلى حجّيته بقسميه ، وبعضهم إلى حجّية القسم الأوّل فقط (٢) ، انتهى.

إذا عرفت ما ذكرناه ، ظهر (٣) أنّ عدّ القول بالتفصيل بين الأحكام الشرعيّة والامور الخارجيّة قولين متعاكسين ليس على ما ينبغي ؛ لأنّ المراد بالحكم الشرعيّ :

إن كان هو الحكم الكلّي الذي أنكره الأخباريّون فليس هنا من يقول باعتبار الاستصحاب فيه ونفيه في غيره ؛ فإنّ ما حكاه المحقّق الخوانساري (٤) واستظهره السبزواري (٥) هو اعتباره في الحكم الشرعي بالإطلاق الثاني الذي هو أعمّ من الأوّل.

__________________

(١) ما بين المعقوفتين من المصدر.

(٢) مشارق الشموس : ٧٦.

(٣) هذا وجه ما ذكره من النظر في كلام المحقّق القمي ، المتقدّم في الصفحة السابقة.

(٤) مشارق الشموس : ٧٦.

(٥) ذخيرة المعاد : ١١٥ و ١١٦.

وإن اريد بالحكم الشرعيّ الإطلاق الثاني الأعمّ ، فلم يقل أحد باعتباره في غير الحكم الشرعيّ وعدمه في الحكم الشرعيّ ؛ لأنّ الأخباريّين لا ينكرون الاستصحاب في الأحكام الجزئيّة.

الأقوى في حجّية الاستصحاب من حيث هذا التقسيم

ثمّ إنّ المحصّل من القول بالتفصيل بين القسمين المذكورين في هذا التقسيم ثلاثة :

الأوّل : اعتبار الاستصحاب في الحكم الشرعيّ مطلقا ـ جزئيّا كان كنجاسة الثوب ، أو كلّيا كنجاسة الماء المتغيّر بعد زوال التغيّر ـ وهو الظاهر ممّا حكاه المحقّق الخوانساري (١).

الثاني : اعتباره في ما عدا الحكم الشرعيّ الكلّي وإن كان حكما جزئيا ، وهو الذي حكاه في الرسالة الاستصحابيّة عن الأخباريّين (٢).

الثالث : اعتباره في الحكم الجزئيّ دون الكلّي ودون الامور الخارجيّة ، وهو الذي ربما يستظهر ممّا حكاه السيّد شارح الوافية عن المحقّق الخوانساري في حاشية له على قول الشهيد قدس‌سره في تحريم استعمال الماء النجس والمشتبه (٣).

الوجه الثالث :

المستصحب إمّا حكم تكليفي وإمّا حكم وضعي

من حيث إنّ المستصحب قد يكون حكما تكليفيّا ، وقد يكون

__________________

(١) تقدّم كلامه في الصفحة السابقة.

(٢) الرسائل الاصوليّة : ٤٢٥.

(٣) شرح الوافية (مخطوط) : ٣٣٩ ، ولكن لم نقف على هذه الحاشية في الموضع المذكور فيما عندنا من نسخة مشارق الشموس ، انظر المشارق : ٢٨١.