درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۳۲: ادله حجیت استصحاب ۶

 

فهو مخالف للمذهب ، وموافق لقول العامّة ، ومخالف لظاهر الفقرة الاولى من قوله : «يركع (١) ركعتين بفاتحة الكتاب» ؛ فإنّ ظاهرها ـ بقرينة تعيين الفاتحة ـ إرادة ركعتين منفصلتين ، أعني : صلاة الاحتياط ، فتعيّن أن يكون المراد به القيام ـ بعد التسليم في الركعة المردّدة ـ إلى ركعة مستقلّة ، كما هو مذهب الإماميّة.

المراد من «اليقين» في هذه الصحيحة

فالمراد ب «اليقين» ـ كما في «اليقين» الوارد في الموثّقة الآتية (٢) ، على ما صرّح به السيّد المرتضى ; (٣) ، واستفيد من قوله عليه‌السلام في أخبار الاحتياط : إن كنت قد نقصت فكذا ، وإن كنت قد أتممت فكذا (٤) ـ : هو اليقين بالبراءة ، فيكون المراد وجوب الاحتياط وتحصيل اليقين بالبراءة ، بالبناء على الأكثر وفعل صلاة مستقلّة قابلة لتدارك ما يحتمل نقصه.

وقد اريد من «اليقين» و «الاحتياط» في غير واحد من الأخبار هذا النحو من العمل ، منها : قوله عليه‌السلام في الموثّقة الآتية : «إذا شككت فابن على اليقين» (٥).

المراد من «البناء على اليقين» في الأخبار

فهذه الأخبار الآمرة بالبناء على اليقين وعدم نقضه ، يراد منها : البناء على ما هو المتيقّن من العدد ، والتسليم عليه ، مع جبره بصلاة

__________________

(١) في (ص) والتهذيب : «ركع».

(٢) هي موثّقة إسحاق بن عمّار الآتية في الصفحة ٦٦.

(٣) راجع الانتصار : ٤٩.

(٤) الوسائل ٥ : ٣١٨ ، الباب ٨ من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ، الحديث ٣.

(٥) وهي موثّقة إسحاق بن عمّار الآتية في الصفحة ٦٦.

الاحتياط ؛ ولهذا ذكر في غير واحد من الأخبار ما يدلّ على أنّ هذا (١) العمل محرز للواقع ، مثل قوله عليه‌السلام : «ألا اعلّمك شيئا إذا صنعته (٢) ، ثمّ ذكرت أنّك نقصت أو أتممت ، لم يكن عليك شيء؟» (٣).

وقد تصدّى جماعة (٤) ـ تبعا للسيّد المرتضى ـ لبيان أنّ هذا العمل هو الأخذ باليقين والاحتياط ، دون ما يقوله العامّة : من البناء على الأقلّ. ومبالغة الإمام عليه‌السلام في هذه الصحيحة بتكرار عدم الاعتناء بالشكّ ، وتسمية ذلك في غيرها (٥) بالبناء على اليقين والاحتياط ، يشعر بكونه في مقابل العامّة الزاعمين بكون مقتضى البناء على اليقين هو البناء على الأقلّ وضمّ الركعة المشكوكة.

ثمّ لو سلّم ظهور الصحيحة في البناء على الأقلّ المطابق للاستصحاب ، كان هناك صوارف عن هذا الظاهر ، مثل :

__________________

(١) «هذا» من (ت) ، لكن شطب عليها ، والمناسب إثباتها.

(٢) كذا في النسخ ، ولكن في روايتي الوسائل والتهذيب بدل «صنعته» : «فعلته».

(٣) الوسائل ٥ : ٣١٨ ، الباب ٨ من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ، الحديث ٣ ، والتهذيب ٢ : ٣٤٩ ، الحديث ١٤٤٨.

(٤) منهم السيّد الطباطبائي في الرياض ٤ : ٢٤٠ ، والمحقّق النراقي في مستند الشيعة ٧ : ١٤٦ ، وصاحب الجواهر في الجواهر ١٢ : ٣٣٤ ، وأشار إليه المحقّق في المعتبر ٢ : ٣٩١ ، والعلاّمة في المنتهى (الطبعة الحجرية) ١ : ٤١٥ ـ ٤١٦ ، والحرّ العاملي في الوسائل ، ذيل موثّقة إسحاق بن عمّار.

(٥) مثل : موثّقة اسحاق بن عمّار الآتية في الصفحة ٦٦ ، ومثل : المروي عن قرب الإسناد : «رجل صلّى ركعتين وشكّ في الثالثة ، قال يبني على اليقين ...» ، انظر الوسائل ٥ : ٣١٩ ، الباب ٩ من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ، الحديث ٢.

تعيّن حملها حينئذ على التقيّة ، وهو مخالف للأصل.

ثمّ ارتكاب الحمل على التقيّة في مورد الرواية ، وحمل القاعدة المستشهد بها لهذا الحكم المخالف للواقع على بيان الواقع ـ ليكون التقيّة في إجراء القاعدة في المورد لا في نفسها ـ مخالفة اخرى للظاهر وإن كان ممكنا في نفسه.

مع أنّ هذا المعنى مخالف لظاهر صدر الرواية الآبي عن الحمل على التقيّة.

مع أنّ العلماء لم يفهموا منها إلاّ البناء على الأكثر.

إلى غير ذلك ممّا يوهن إرادة البناء على الأقلّ.

وأمّا احتمال (١) كون المراد من عدم نقض اليقين بالشكّ عدم جواز البناء على وقوع المشكوك بمجرّد الشكّ ـ كما هو مقتضى الاستصحاب ـ فيكون مفاده : عدم جواز الاقتصار على الركعة المردّدة بين الثالثة والرابعة ، وقوله : «لا يدخل الشكّ في اليقين» يراد به : أنّ الركعة المشكوك فيها المبنيّ على عدم وقوعها لا يضمّها إلى اليقين ـ أعني (٢) القدر المتيقّن من الصلاة ـ بل يأتي بها مستقلّة على ما هو مذهب الخاصّة.

ففيه : من المخالفة لظاهر (٣) الفقرات الستّ أو السبع ما لا يخفى على المتأمّل ؛ فإنّ مقتضى التدبّر في الخبر أحد معنيين :

__________________

(١) هذا الاحتمال من صاحب الفصول في الفصول : ٣٧١.

(٢) في (ه): «يعني».

(٣) في (ت) ، (ص) و (ظ): «لظواهر».