درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۳۴: ادله حجیت استصحاب ۸

 

قال : نعم» (١).

فإنّ جعل البناء على الأقلّ أصلا ينافي ما جعله الشارع أصلا في غير واحد من الأخبار ، مثل : قوله عليه‌السلام : «أجمع لك السهو كلّه في كلمتين : متى ما شككت فابن على الأكثر» (٢) ، وقوله عليه‌السلام فيما تقدّم :

«ألا اعلّمك شيئا ... إلى آخر ما تقدّم» (٣).

فالوجه فيه : إمّا الحمل على التقيّة ، وإمّا ما ذكره بعض (٤) الأصحاب (٥) في معنى الرواية : بإرادة البناء على الأكثر ، ثمّ الاحتياط بفعل ما ينفع (٦) لأجل الصلاة على تقدير الحاجة ، ولا يضرّ بها على تقدير الاستغناء.

نعم ، يمكن أن يقال بعدم الدليل على اختصاص الموثّقة بشكوك الصلاة ، فضلا عن الشكّ في ركعاتها ، فهو أصل كلّي خرج منه الشكّ في عدد الركعات ، وهو غير قادح.

لكن يرد عليه : عدم الدلالة على إرادة اليقين السابق على الشكّ ،

__________________

(١) الوسائل ٥ : ٣١٨ ، الباب ٨ من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ، الحديث ٢.

(٢) الوسائل ٥ : ٣١٧ ـ ٣١٨ ، الباب ٨ من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ، الحديث ١ ، وفيه بدل «فابن على الأكثر» : «فخذ بالأكثر».

(٣) راجع الصفحة ٦٤.

(٤) لم ترد «بعض» في (ظ).

(٥) مثل : الحرّ العاملي في الوسائل ذيل الرواية ، والفاضل النراقي في مستند الشيعة ٧ : ١٤٥.

(٦) في (ظ): «ينتفع».

ولا المتيقّن السابق على المشكوك اللاحق ، فهي أضعف دلالة من الرواية الآتية الصريحة في اليقين السابق ؛ لاحتمالها لإرادة إيجاب العمل بالاحتياط ، فافهم (١).

٥ ـ الاستدلال برواية الخصال ورواية اخرى

ومنها : ما عن الخصال بسنده عن محمّد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : «قال أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه : من كان على يقين فشكّ فليمض على يقينه ؛ فإنّ الشكّ لا ينقض اليقين» (٢).

وفي رواية اخرى عنه عليه‌السلام : «من كان على يقين فأصابه شكّ فليمض على يقينه ؛ فإنّ اليقين لا يدفع بالشكّ» (٣). وعدّها المجلسي ـ في البحار ـ في سلك الأخبار التي يستفاد منها القواعد الكلّية (٤).

المناقشة في الاستدلال بهاتين الروايتين

أقول : لا يخفى أنّ الشكّ واليقين لا يجتمعان حتّى ينقض أحدهما الآخر ، بل لا بدّ من اختلافهما :

إمّا في زمان نفس الوصفين ، كأن يقطع يوم الجمعة بعدالة زيد في زمان ، ثمّ يشكّ يوم السبت في عدالته في ذلك الزمان.

وإمّا في زمان متعلّقهما وإن اتّحد زمانهما ، كأن يقطع يوم السبت بعدالة زيد يوم الجمعة ، ويشكّ ـ في زمان هذا القطع ـ بعدالته (٥) في يوم

__________________

(١) لم ترد «فافهم» في (ظ).

(٢) الخصال : ٦١٩ ، والوسائل ١ : ١٧٥ ـ ١٧٦ ، الباب ٤ من أبواب نواقض الوضوء ، الحديث ٦.

(٣) المستدرك ١ : ٢٢٨ ، الباب الأوّل من أبواب نواقض الوضوء ، الحديث ٤.

(٤) البحار ٢ : ٢٧٢.

(٥) المناسب : «في عدالته» ، كما في (ت) ، ولكن شطب عليها.

السبت ، وهذا هو الاستصحاب ، وليس منوطا بتعدّد زمان الشكّ واليقين ـ كما عرفت في المثال ـ فضلا عن تأخّر الأوّل عن الثاني.

وحيث إنّ صريح الرواية اختلاف زمان الوصفين ، وظاهرها اتّحاد زمان متعلّقهما ؛ تعيّن حملها على القاعدة الاولى ، وحاصلها : عدم العبرة بطروّ الشكّ في شيء بعد اليقين بذلك الشيء.

ويؤيّده : أنّ النقض حينئذ محمول على حقيقته ؛ لأنّه رفع اليد عن نفس الآثار التي رتّبها سابقا على المتيقّن ، بخلاف الاستصحاب ؛ فإنّ المراد بنقض اليقين فيه رفع اليد عن ترتيب الآثار في غير زمان اليقين ، وهذا ليس نقضا لليقين السابق ، إلاّ إذا اخذ متعلّقه مجرّدا عن التقييد بالزمان الأوّل.

وبالجملة : فمن تأمّل في الرواية ، وأغمض عن ذكر بعض (١) لها في أدلّة الاستصحاب ، جزم بما (٢) ذكرناه في معنى الرواية.

ثمّ لو سلّم أنّ هذه القاعدة بإطلاقها مخالفة للإجماع ، أمكن تقييدها بعدم نقض اليقين السابق بالنسبة إلى الأعمال التي رتّبها حال اليقين به ـ كالاقتداء بذلك الشخص في مثال العدالة ، أو العمل بفتواه أو شهادته ـ أو تقييد الحكم بصورة عدم التذكّر لمستند القطع السابق ، وإخراج صورة تذكّره والتفطّن لفساده وعدم قابليّته لإفادة القطع (٣).

__________________

(١) مثل : الوحيد البهبهاني في الرسائل الاصولية : ٤٤٠ ، والمحقّق القمي في القوانين ٢ : ٦٢ ، والفاضل النراقي في مناهج الأحكام : ٢٢٧.

(٢) في (ت) و (ه) بدل «جزم بما» : «ربما استظهر ما».

(٣) في (ر) و (ص) ذكرت عبارة «ثمّ لو سلّم ـ إلى ـ لإفادة القطع» بعد عبارة «اللهم إلاّ ـ إلى ـ فافهم».