درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۴۳: ادله حجیت استصحاب ۱۷

 

إذا عرفت هذا ، فنقول : إنّ الأمر يدور :

بين أن يراد ب «النقض» مطلق ترك العمل وترتيب الأثر ـ وهو المعنى الثالث (١) ـ ويبقى المنقوض عامّا لكلّ يقين.

وبين أن يراد من النقض ظاهره ـ وهو المعنى الثاني (٢) ـ فيختصّ متعلّقه بما من شأنه الاستمرار والاتّصال (٣) ، المختصّ بالموارد التي يوجد فيها هذا المعنى.

ولا يخفى (٤) رجحان هذا على الأوّل ؛ لأنّ الفعل الخاصّ يصير مخصّصا لمتعلّقه العامّ ، كما في قول القائل : لا تضرب أحدا ؛ فإنّ الضرب قرينة على اختصاص العامّ بالأحياء ، ولا يكون عمومه للأموات (٥) قرينة على إرادة مطلق الضرب عليه كسائر الجمادات.

المراد من «نقض اليقين»

ثمّ لا يتوهّم الاحتياج حينئذ إلى تصرّف في اليقين بإرادة المتيقّن منه ؛ لأنّ التصرّف لازم على كلّ حال ؛ فإنّ النقض الاختياري القابل لورود النهي عليه لا يتعلّق بنفس اليقين على كلّ تقدير ، بل المراد : نقض ما كان على يقين منه ـ وهو الطهارة السابقة ـ أو أحكام اليقين.

والمراد ب «أحكام اليقين» ليس أحكام نفس وصف اليقين ؛ إذ لو فرضنا حكما شرعيّا محمولا على نفس صفة اليقين ارتفع بالشكّ قطعا ،

__________________

(١) في نسخة بدل (ص): «الرابع».

(٢) في (ظ): «الأوّل» ، وفي نسخة بدل (ص): «الثالث».

(٣) «الاتّصال» من (ت) و (ه).

(٤) في (ص) بدل «لا يخفى» : «والظاهر».

(٥) لم ترد «للأموات» في (ظ).

كمن نذر فعلا في مدّة اليقين بحياة زيد.

بل المراد : أحكام المتيقّن المثبتة له من جهة اليقين ، وهذه الأحكام كنفس المتيقّن أيضا لها استمرار شأنيّ لا يرتفع إلاّ بالرافع ؛ فإنّ جواز الدخول في الصلاة بالطهارة أمر مستمرّ إلى أن يحدث ناقضها.

وكيف كان ، فالمراد : إمّا نقض المتيقّن ، والمراد به رفع اليد عن مقتضاه ، وإمّا نقض أحكام اليقين ـ أي الثابتة للمتيقّن من جهة اليقين به ـ والمراد حينئذ رفع اليد عنها.

ويمكن أن يستفاد من بعض الأمارات إرادة المعنى الثالث (١) ، مثل :

قوله عليه‌السلام : «بل ينقض الشكّ باليقين» (٢).

وقوله عليه‌السلام : «ولا يعتدّ بالشكّ في حال من الحالات» (٣).

وقوله عليه‌السلام : «اليقين لا يدخله الشكّ ، صم للرؤية وأفطر للرؤية» (٤) ، فإنّ مورده استصحاب بقاء رمضان ، والشكّ فيه ليس شكّا في الرافع ، كما لا يخفى.

وقوله عليه‌السلام في رواية الأربعمائة : «من كان على يقين فشكّ فليمض على يقينه ، فإنّ اليقين لا يدفع بالشكّ» (٥).

وقوله : «إذا شككت فابن على اليقين» (٦).

__________________

(١) في نسخة بدل (ص): «الرابع».

(٢ و ٣) تقدّم في الصفحة ٦٢ ، ضمن صحيحة زرارة الثالثة.

(٤) تقدّم في الصفحة ٧١ ، ضمن مكاتبة القاساني.

(٥) تقدّم الحديث في الصفحة ٦٨.

(٦) تقدّم الحديث في الصفحة ٦٦.

فإنّ المستفاد من هذه وأمثالها : أنّ المراد بعدم النقض عدم الاعتناء بالاحتمال المخالف لليقين السابق ، نظير قوله عليه‌السلام : «إذا خرجت من شيء ودخلت في غيره فشكّك ليس بشيء» (١).

هذا ، ولكنّ الإنصاف : أنّ شيئا من ذلك لا يصلح لصرف لفظ «النقض» عن ظاهره.

لأنّ قوله : «بل ينقض الشكّ باليقين» معناه رفع الشكّ ؛ لأنّ الشكّ ممّا إذا حصل لا يرتفع إلاّ برافع.

وأمّا قوله عليه‌السلام : «من كان على يقين فشكّ» ، فقد عرفت (٢) أنّه كقوله : «إذا شككت فابن على اليقين» غير ظاهر في الاستصحاب (٣) ، مع إمكان أن يجعل قوله عليه‌السلام : «فإنّ اليقين لا ينقض بالشكّ ، أو لا يدفع به» قرينة على اختصاص صدر الرواية بموارد النقض ، مع أنّ الظاهر من المضيّ : الجري على مقتضى الداعي السابق وعدم التوقّف (٤) إلاّ لصارف ، نظير قوله عليه‌السلام : «إذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك» (٥) ونحوه ، فهو أيضا مختصّ بما ذكرنا.

__________________

(١) الوسائل ٥ : ٣٣٦ ، الباب ٢٣ من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ، الحديث ١ ، وفيه بدل «فدخلت» : «ثمّ دخلت».

(٢) راجع الصفحة ٦٨ ـ ٦٩.

(٣) كذا في (ظ) ، وفي غيره بدل «أنّه ـ إلى ـ الاستصحاب» : «الإشكال في ظهوره في اعتبار الاستصحاب ، كقوله : «إذا شككت فابن على اليقين».

(٤) كذا في (ظ) و (ه) ، وفي غيرهما بدل «التوقّف» : «الوقف».

(٥) الوسائل ٥ : ٣٢٩ ، الباب ١٦ من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ، الحديث ١.