درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۴۷: تنبیهات استصحاب ۳

 

سواء كان الشكّ من جهة الرافع ، كما إذا علم بحدوث البول أو المنيّ ولم يعلم الحالة السابقة وجب (١) الجمع بين الطهارتين ، فإذا فعل إحداهما وشكّ في رفع الحدث فالأصل بقاؤه ، وإن كان الأصل عدم تحقّق الجنابة ، فيجوز له ما يحرم على الجنب.

أم كان الشكّ من جهة المقتضي ، كما لو تردّد من في الدار بين كونه حيوانا لا يعيش إلاّ سنة وكونه حيوانا يعيش مائة سنة ، فيجوز بعد السنة الاولى استصحاب الكلّيّ المشترك بين الحيوانين ، ويترتّب عليه آثاره الشرعيّة الثابتة دون آثار شيء من الخصوصيّتين ، بل يحكم بعدم كلّ منهما لو لم يكن مانع عن إجراء الأصلين ، كما في الشبهة المحصورة.

توهّم عدم جريان استصحاب الكلّي في هذا القسم ودفعه

وتوهّم : عدم جريان الأصل في القدر المشترك ؛ من حيث دورانه بين ما هو مقطوع الانتفاء ، وما هو مشكوك الحدوث ، وهو (٢) محكوم بالانتفاء بحكم الأصل (٣).

مدفوع : بأنّه لا يقدح ذلك في استصحابه بعد فرض الشكّ في بقائه وارتفاعه ، إمّا لعدم استعداده وإمّا لوجود الرافع (٤).

توهّم آخر ودفعه

كاندفاع توهّم (٥) : كون الشكّ في بقائه مسبّبا عن الشكّ في

__________________

(١) في (ر) بدل «وجب» : «في» ، وفي حاشية التنكابني (٢ : ٦٩١): «وحينئذ يجب».

(٢) شطب في (ت) و (ه) على «هو».

(٣) لم ترد «وهو محكوم بالانتفاء بحكم الأصل» في (ظ).

(٤) لم ترد «إمّا لعدم استعداده وإمّا لوجود الرافع» في (ر).

(٥) في (ه) و (ت) بدل «كاندفاع توهّم» : «كتوهّم».

حدوث ذلك المشكوك الحدوث ، فإذا حكم بأصالة عدم حدوثه لزمه (١) ارتفاع القدر المشترك ؛ لأنّه من آثاره ؛ فإنّ ارتفاع القدر المشترك من لوازم كون الحادث ذلك الأمر المقطوع الارتفاع ، لا من لوازم عدم حدوث الأمر الآخر. نعم ، اللازم من عدم حدوثه هو عدم وجود ما (٢) في ضمنه من القدر المشترك في الزمان الثاني ، لا ارتفاع القدر المشترك بين الأمرين ، وبينهما فرق واضح ؛ ولذا ذكرنا أنّه تترتّب عليه أحكام عدم وجود الجنابة في المثال المتقدّم.

ظاهر المحقّق القمّي عدم الجريان

ويظهر من المحقّق القمّي ; في القوانين ـ مع قوله بحجّيّة الاستصحاب على الإطلاق ـ عدم جواز إجراء الاستصحاب في هذا القسم ، ولم أتحقّق وجهه. قال :

إنّ الاستصحاب يتبع الموضوع وحكمه في مقدار قابليّة الامتداد وملاحظة الغلبة فيه ، فلا بدّ من التأمّل في أنّه كلّيّ أو جزئيّ ، فقد يكون الموضوع الثابت حكمه أوّلا مفهوما كلّيّا مردّدا بين امور ، وقد يكون جزئيّا حقيقيّا معيّنا ، وبذلك يتفاوت الحال ؛ إذ قد يختلف أفراد الكلّيّ في قابلية الامتداد ومقداره ، فالاستصحاب حينئذ ينصرف إلى أقلّها استعدادا للامتداد.

ثمّ ذكر حكاية تمسّك بعض أهل الكتاب لإثبات نبوّة نبيّه بالاستصحاب ، وردّ بعض معاصريه (٣) له بما لم يرتضه الكتابيّ ، ثمّ ردّه

__________________

(١) في (ت): «لزم».

(٢) في غير (ظ) زيادة : «هو».

(٣) سيجيء الاختلاف في تحقيق هذا البعض في الصفحة ٢٦٠.

بما ادّعى ابتناءه على ما ذكره من ملاحظة مقدار القابليّة.

ثمّ أوضح ذلك بمثال ، وهو : أنّا إذا علمنا أنّ في الدار حيوانا ، لكن لا نعلم أنّه أيّ نوع هو ، من الطيور أو البهائم أو الحشار أو الديدان؟ ثمّ غبنا عن ذلك مدّة ، فلا يمكن لنا الحكم ببقائه في مدّة يعيش فيها أطول الحيوان عمرا ، فإذا احتمل كون الحيوان الخاصّ في البيت عصفورا أو فأرة أو دود قزّ ، فكيف يحكم ـ بسبب العلم بالقدر المشترك ـ باستصحابها (١) إلى حصول زمان ظنّ بقاء أطول الحيوانات عمرا؟! قال : وبذلك بطل تمسّك الكتابيّ (٢) ، انتهى.

المناقشة فيما أفاده المحقق القمي

أقول : إنّ ملاحظة استعداد المستصحب واعتباره في الاستصحاب ـ مع أنّه مستلزم لاختصاص اعتبار الاستصحاب بالشكّ في الرافع ـ موجب لعدم انضباط الاستصحاب ؛ لعدم استقامة إرادة استعداده من حيث شخصه (٣) ، ولا أبعد الأجناس ، ولا أقرب الأصناف ، ولا ضابط لتعيين المتوسّط ، والإحالة على الظنّ الشخصيّ قد عرفت ما فيه سابقا (٤) ، مع أنّ اعتبار الاستصحاب عند هذا المحقّق لا يختصّ دليله بالظنّ ، كما اعترف به سابقا (٥) ، فلا مانع من استصحاب وجود الحيوان في الدار إذا ترتّب اثر شرعيّ على وجود مطلق الحيوان فيها.

__________________

(١) كذا في النسخ ، والمناسب : «باستصحابه» لرجوع الضمير إلى الحيوان.

(٢) القوانين ٢ : ٦٩ ـ ٧٣.

(٣) كذا في (ظ) ، وفي غيره بدل «شخصه» : «تشخّصه».

(٤) راجع الصفحة ٨٧.

(٥) انظر القوانين ٢ : ٦٦.