درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۵۱: تنبیهات استصحاب ۷

 

الاستصحاب على المداقّة العقليّة (١).

ثمّ إنّ للفاضل التونيّ كلاما يناسب المقام ـ مؤيّدا لبعض ما ذكرناه ـ وإن لم يخل بعضه عن النظر بل المنع. قال في ردّ تمسّك المشهور في نجاسة الجلد المطروح باستصحاب عدم التذكية :

كلام الفاضل التوني تأييدا لبعض ما ذكرنا

إنّ عدم المذبوحيّة لازم لأمرين : الحياة ، والموت حتف الأنف. والموجب للنجاسة ليس هذا اللازم من حيث هو ، بل ملزومه الثاني ، أعني : الموت حتف الأنف ، فعدم المذبوحيّة لازم أعمّ لموجب النجاسة ، فعدم المذبوحيّة اللازم (٢) للحياة مغاير لعدم المذبوحيّة العارض للموت حتف أنفه. والمعلوم ثبوته في الزمان السابق هو الأوّل لا الثاني ، وظاهر أنّه غير باق في الزمان الثاني ، ففي الحقيقة يخرج مثل هذه الصورة من الاستصحاب ؛ إذ شرطه بقاء الموضوع ، وعدمه هنا معلوم. قال :

وليس مثل المتمسّك بهذا الاستصحاب إلاّ مثل من تمسّك على وجود عمرو في الدار (٣) باستصحاب بقاء الضاحك المتحقّق بوجود زيد في الدار في الوقت الأوّل. وفساده غنيّ عن البيان (٤) ، انتهى.

بعض المناقشات فيما أفاد الفاضل التوني

أقول : ولقد أجاد فيما أفاد ، من عدم جواز الاستصحاب في المثال المذكور ونظيره ، إلاّ أنّ نظر المشهور ـ في تمسّكهم على النجاسة ـ إلى أنّ

__________________

(١) انظر الصفحة ٢٩٤ ـ ٣٠٢.

(٢) في المصدر بدل «اللازم» : «العارض».

(٣) في المصدر زيادة : «في الوقت الثاني».

(٤) الوافية : ٢١٠.

النجاسة إنّما رتّبت في الشرع على مجرّد عدم التذكية ، كما يرشد إليه قوله تعالى : ﴿إِلاَّ ما ذَكَّيْتُمْ﴾(١) ، الظاهر في أنّ المحرّم إنّما هو لحم الحيوان الذي لم يقع عليه التذكية واقعا أو بطريق شرعيّ ولو كان أصلا ، وقوله تعالى : ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾(٢) ، وقوله تعالى : ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾(٣) ، وقوله عليه‌السلام في ذيل موثّقة ابن بكير : «إذا كان ذكيّا ذكّاه الذابح» (٤) ، وبعض الأخبار المعلّلة لحرمة الصيد الذي ارسل إليه كلاب ولم يعلم أنّه مات بأخذ المعلّم (٥) ، بالشكّ في استناد موته إلى المعلّم (٦) ، إلى غير ذلك ممّا اشترط فيه العلم باستناد القتل إلى الرمي ، والنهي عن الأكل مع الشكّ.

ولا ينافي ذلك ما دلّ (٧) على كون حكم النجاسة مرتّبا على موضوع «الميتة» (٨) بمقتضى أدلّة نجاسة الميتة (٩) ؛ لأنّ «الميتة» عبارة عن

__________________

(١) المائدة : ٣.

(٢) الأنعام : ١٢١.

(٣) الأنعام : ١١٨.

(٤) الوسائل ٣ : ٢٥٠ ، الباب ٢ من أبواب لباس المصلّي ، الحديث ١ ، لكن في جميع المصادر الحديثيّة بدل «الذابح» : «الذبح».

(٥) في غير (ر) زيادة : «معلّلا».

(٦) انظر الوسائل ١٦ : ٢١٥ ، الباب ٥ من أبواب الصيد ، الحديث ٢.

(٧) انظر الجواهر ٥ : ٢٩٧ ـ ٢٩٩.

(٨) في (ظ) بدل «موضوع الميتة» : «الموت».

(٩) شطب في (ت) على «بمقتضى أدلّة نجاسة الميتة» ، وكتب في (ه) فوقها : «زائد».

كلّ ما لم يذكّ ؛ لأنّ التذكية أمر شرعيّ توقيفيّ ، فما عدا المذكّى ميتة (١).

والحاصل : أنّ التذكية سبب للحلّ والطهارة ، فكلّما شكّ فيه أو في مدخليّة شيء فيه ، فأصالة عدم تحقّق السبب الشرعيّ حاكمة على أصالة الحلّ والطهارة.

ثمّ إنّ الموضوع للحلّ والطهارة ومقابليهما هو اللحم أو المأكول ، فمجرّد تحقّق عدم التذكية في اللحم يكفي في الحرمة والنجاسة.

لكنّ الإنصاف : أنّه لو علّق حكم النجاسة على ما مات حتف الأنف ـ لكون الميتة عبارة عن هذا المعنى ، كما يراه بعض (٢) ـ أشكل إثبات (٣) الموضوع بمجرّد أصالة عدم التذكية الثابتة (٤) حال الحياة ؛ لأنّ عدم التذكية السابق حال الحياة ، المستصحب إلى (٥) زمان خروج الروح لا يثبت كون الخروج حتف الأنف ، فيبقى أصالة عدم حدوث سبب نجاسة اللحم ـ وهو الموت حتف الأنف ـ سليمة عن المعارض ، وإن لم يثبت به التذكية ، كما زعمه السيّد الشارح للوافية ، فذكر : أنّ أصالة عدم التذكية تثبت الموت حتف الأنف ، وأصالة عدم الموت (٦) حتف الأنف تثبت التذكية (٧).

__________________

(١) في (ت) زيادة : «ولذا حكم بنجاستها» ، وكتب في (ص) فوقها : «نسخة».

(٢) انظر مفاتيح الشرائع ١ : ٧٠ ، المفتاح ٧٨.

(٣) في (ه) زيادة : «هذا».

(٤) لم ترد «الثابتة» في (ت).

(٥) في نسخة بدل (ت) بدل «إلى» : «في».

(٦) «الموت» من (ظ) و (ص).

(٧) شرح الوافية (مخطوط) : ٣٦٥.