درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۷۳: تنبیهات استصحاب ۲۹

 

أطراف الشبهة إذا لم يكن جاريا أو لم يحتج إليه ، فلا ضير في إجراء الأصل في البعض الآخر ، ولأجل ما ذكرنا استمرّ بناء المسلمين في أوّل البعثة على الاستمرار على ما كانوا عليه حتّى يطّلعوا على الخلاف.

إلاّ ان يقال : إنّ ذلك كان قبل إكمال شريعتنا ، وأمّا بعده فقد جاء النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بجميع ما يحتاج إليه الامّة إلى يوم القيامة ، سواء خالف الشريعة السابقة أم وافقها ، فنحن مكلّفون بتحصيل ذلك الحكم موافقا أم مخالفا ؛ لأنّه مقتضى التديّن بهذا الدين.

ولكن يدفعه : أنّ المفروض حصول الظنّ المعتبر من الاستصحاب ببقاء حكم الله السابق في هذه الشريعة ، فيظنّ بكونه ممّا جاء به النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. ولو بنينا على الاستصحاب تعبّدا فالأمر أوضح ؛ لكونه حكما كلّيّا في شريعتنا بإبقاء ما ثبت في السابق.

ما ذكره المحقّق القمّي في وجه المنع

ومنها : ما ذكره في القوانين ، من أنّ جريان الاستصحاب مبنيّ على القول بكون حسن الأشياء ذاتيّا ، وهو ممنوع ، بل التحقيق : أنّه بالوجوه والاعتبارات (١).

الجواب عمّا ذكره المحقّق القمّي

وفيه : أنّه إن اريد ب «الذاتيّ» المعنى الذي ينافيه النسخ ـ وهو الذي أبطلوه بوقوع النسخ ـ فهذا المعنى ليس مبنى الاستصحاب ، بل هو مانع عنه ؛ للقطع بعدم النسخ حينئذ ، فلا يحتمل الارتفاع.

وإن اريد غيره فلا فرق بين القول به والقول بالوجوه والاعتبارات ؛ فإنّ القول بالوجوه لو كان مانعا عن الاستصحاب لم يجر الاستصحاب في هذه الشريعة.

__________________

(١) القوانين ١ : ٤٩٥.

الثمرات المذكورة لهذه المسألة ومناقشتها

ثمّ إنّ جماعة (١) رتّبوا على إبقاء الشرع السابق في مورد (٢) الشكّ ـ تبعا لتمهيد القواعد (٣) ـ ثمرات.

الثمرة الأولى

منها : إثبات وجوب نيّة الإخلاص في العبادة بقوله تعالى حكاية عن تكليف أهل الكتاب ـ : ﴿وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾(٤).

ويرد عليه ـ بعد الإغماض عن عدم دلالة الآية على وجوب الإخلاص بمعنى القربة في كلّ واجب ، وإنّما تدلّ على وجوب عبادة الله خالصة عن الشرك ، وبعبارة اخرى : وجوب التوحيد ، كما أوضحنا ذلك في باب النيّة من الفقه (٥) ـ : أنّ الآية إنّما تدلّ على اعتبار الإخلاص في واجباتهم ، لا على وجوب (٦) الإخلاص عليهم في كلّ واجب ، وفرق بين وجوب كلّ شيء عليهم لغاية الإخلاص ، وبين وجوب قصد الإخلاص عليهم في كلّ واجب.

وظاهر الآية هو الأوّل ، ومقتضاه : أنّ تشريع الواجبات لأجل تحقّق العبادة على وجه الإخلاص ، ومرجع ذلك إلى كونها لطفا. ولا ينافي

__________________

(١) كالمحقّق القمي في القوانين ١ : ٤٩٥ ، وصاحب الفصول في الفصول : ٣١٥.

(٢) في (ص): «موارد».

(٣) تمهيد القواعد : ٢٣٩ ـ ٢٤١.

(٤) البيّنة : ٥.

(٥) انظر كتاب الطهارة للمصنّف ٢ : ١١ ـ ١٣.

(٦) لم ترد «لا على وجوب» في (ظ) ، وورد بدلها : «فإن وجبت علينا وجب فيها».