درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۹۲: تنبیهات استصحاب ۴۸

 

صحّة الاستصحاب القهقرى بناء على الأصل المثبت

واعلم : أنّه قد يوجد شيء في زمان ويشكّ في مبدئه ، ويحكم بتقدّمه ؛ لأنّ تأخّره لازم لحدوث حادث آخر قبله والأصل عدمه ، وقد يسمّى ذلك بالاستصحاب القهقرى.

مثاله : أنّه إذا ثبت أنّ صيغة الأمر حقيقة في الوجوب في عرفنا ، وشكّ في كونها كذلك قبل ذلك حتّى تحمل خطابات الشارع على ذلك ، فيقال : مقتضى الأصل كون الصيغة حقيقة فيه في ذلك الزمان ، بل قبله ؛ إذ لو كان (١) في ذلك الزمان حقيقة في غيره لزم النقل وتعدّد الوضع ، والأصل عدمه.

الاتفاق على هذا الاستصحاب في الاصول اللفظيّة

وهذا إنّما يصحّ بناء على الأصل المثبت ، وقد استظهرنا سابقا (٢) أنّه متّفق عليه في الاصول اللفظيّة ، ومورده : صورة الشكّ في وحدة المعنى وتعدّده. أمّا إذا علم التعدّد وشكّ في مبدأ حدوث الوضع المعلوم في زماننا ، فمقتضى الأصل عدم ثبوته قبل الزمان المعلوم ؛ ولذا اتّفقوا في مسألة الحقيقة الشرعيّة على أنّ الأصل فيها عدم الثبوت.

__________________

(١) كذا في النسخ ، والمناسب : «كانت» ؛ لرجوع الضمير إلى صيغة الأمر.

(٢) راجع الصفحة ١٣.

الأمر الثامن

هل يجري استصحاب صحّة العبادة عند الشكّ في طروء مفسد؟

قد يستصحب صحّة العبادة عند الشكّ في طروّ مفسد ، كفقد ما يشكّ في اعتبار وجوده في العبادة ، أو وجود ما يشكّ في اعتبار عدمه. وقد اشتهر التمسّك بها بين الأصحاب ، كالشيخ (١) والحلّي (٢) والمحقّق (٣) والعلاّمة (٤) وغيرهم (٥).

وتحقيقه وتوضيح مورد جريانه : أنّه لا شكّ ولا ريب في أنّ المراد بالصحّة المستصحبة ليس صحّة مجموع العمل ؛ لأنّ الفرض التمسّك به عند الشكّ في الأثناء.

وأمّا صحّة الأجزاء السابقة فالمراد بها : إمّا موافقتها للأمر المتعلّق بها ، وإمّا ترتّب الأثر عليها :

__________________

(١) انظر الخلاف ٣ : ١٥٠ ، والمبسوط ٢ : ١٤٧.

(٢) انظر السرائر ١ : ٢٢٠.

(٣) انظر المعتبر ١ : ٥٤.

(٤) انظر نهاية الإحكام ١ : ٥٣٨ ، وتذكرة الفقهاء ١ : ٢٤.

(٥) كالشهيد الثاني في تمهيد القواعد : ٢٧٣.

أمّا موافقتها للأمر المتعلّق بها ، فالمفروض أنّها متيقّنة ، سواء فسد العمل أم لا ؛ لأنّ فساد العمل لا يوجب خروج الأجزاء المأتيّ بها على طبق الأمر المتعلّق بها عن كونها كذلك ؛ ضرورة عدم انقلاب الشيء عمّا وجد عليه.

وأمّا ترتّب الأثر ، فليس الثابت منه للجزء (١) ـ من حيث إنّه جزء ـ إلاّ كونه بحيث لو ضمّ إليه الأجزاء الباقية مع الشرائط المعتبرة لالتأم الكلّ ، في مقابل الجزء الفاسد ، وهو الذي لا يلزم من ضمّ باقي الأجزاء والشرائط إليه وجود الكلّ.

ومن المعلوم أنّ هذا الأثر موجود في الجزء دائما ، سواء قطع بضمّ الأجزاء الباقية ، أم قطع بعدمه ، أم شكّ في ذلك. فإذا شكّ في حصول الفساد من غير جهة تلك الأجزاء ، فالقطع ببقاء صحّة تلك الأجزاء لا ينفع في تحقّق الكلّ مع وصف هذا الشكّ ، فضلا عن استصحاب الصحّة. مع ما عرفت : من أنّه ليس الشكّ في بقاء صحّة تلك الأجزاء ، بأيّ معنى اعتبر من معاني الصحّة.

ومن هنا ، ردّ هذا الاستصحاب جماعة من المعاصرين (٢) ممّن يرى حجّيّة الاستصحاب مطلقا.

مختار المصنّف التفصيل

لكنّ التحقيق : التفصيل بين موارد التمسّك.

بيانه : أنّه قد يكون الشكّ في الفساد من جهة احتمال فقد أمر معتبر أو وجود أمر مانع ، وهذا هو الذي لا يعتنى في نفيه باستصحاب

__________________

(١) في (ط) زيادة : «المتقدّم».

(٢) كصاحب الفصول في الفصول : ٥٠.