درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۹۸: تنبیهات استصحاب ۵۴

 

أوّلا : ما تقدّم (١) ، من عدم توقّف جريان الاستصحاب على إحراز استعداد المستصحب.

وثانيا : أنّ ما ذكره ـ من أنّ الإطلاق غير ثابت ، لأنّه في معنى القيد ـ غير صحيح ؛ لأنّ عدم التقييد مطابق للأصل. نعم ، المخالف للأصل الإطلاق بمعنى العموم الراجع إلى الدوام.

والحاصل : أنّ هنا في الواقع ونفس الأمر نبوّة مستدامة إلى آخر الأبد ، ونبوّة مغيّاة إلى وقت خاصّ ، ولا ثالث لهما في الواقع ، فالنبوّة المطلقة ـ بمعنى غير المقيّدة ـ ومطلق النبوّة سيّان في التردّد بين الاستمرار والتوقيت ، فلا وجه لإجراء الاستصحاب على أحدهما دون الآخر. إلاّ أن يريد ـ بقرينة ما ذكره بعد ذلك ، من أنّ المراد من مطلقات كلّ شريعة بحكم الاستقراء الدوام والاستمرار إلى أن يثبت الرافع ـ أنّ المطلق في حكم الاستمرار ، فالشكّ فيه شكّ في الرافع ، بخلاف مطلق النبوّة ؛ فإنّ استعداده غير محرز عند الشكّ ، فهو من قبيل الحيوان المردّد بين مختلفي الاستعداد.

وثالثا : أنّ ما ذكره منقوض بالاستصحاب في الأحكام الشرعيّة ؛ لجريان ما ذكره في كثير منها ، بل في أكثرها.

وقد تفطّن لورود هذا عليه ، ودفعه بما لا يندفع به ، فقال :

كلام آخر للمحقق القمي

إنّ التتبّع والاستقراء يحكمان بأنّ غالب الأحكام الشرعيّة ـ في غير ما ثبت في الشرع له حدّ ـ ليست بآنيّة ، ولا محدودة إلى حدّ معيّن ، وأنّ الشارع اكتفى فيها فيما ورد عنه مطلقا في استمراره ، ويظهر

__________________

(١) راجع الصفحة ١٩٤.

من الخارج أنّه أراد منه الاستمرار ؛ فإنّ من (١) تتبّع أكثر الموارد واستقرأها (٢) يحصّل الظنّ القويّ بأنّ مراده من تلك المطلقات هو الاستمرار إلى أن يثبت الرافع من دليل عقليّ أو نقليّ (٣) ، انتهى.

ولا يخفى ما فيه :

المناقشة في هذا الكلام أيضاً

أمّا أوّلا : فلأنّ مورد النقض لا يختصّ بما شكّ في رفع الحكم الشرعيّ الكلّيّ ، بل قد يكون الشكّ لتبدّل ما يحتمل مدخليّته في بقاء الحكم ، كتغيّر الماء للنجاسة.

وأمّا ثانيا : فلأنّ الشكّ في رفع الحكم الشرعيّ إنّما هو بحسب ظاهر دليله الظاهر في الاستمرار ـ بنفسه أو بمعونة القرائن ، مثل الاستقراء الذي ذكره في المطلقات ـ لكنّ الحكم الشرعيّ الكلّي في الحقيقة إنّما يرتفع بتمام استعداده ، حتّى في النسخ ، فضلا عن نحو الخيار المردّد بين كونه على الفور أو التراخي ، والنسخ أيضا رفع صوريّ ، وحقيقته انتهاء استعداد الحكم ، فالشكّ في بقاء الحكم الشرعيّ لا يكون إلاّ من جهة الشكّ في مقدار استعداده ، نظير الحيوان المجهول استعداده.

وأمّا ثالثا : فلأنّ ما ذكره ـ من حصول الظنّ بإرادة الاستمرار من الإطلاق ـ لو تمّ ، يكون دليلا اجتهاديّا مغنيا عن التمسّك بالاستصحاب ؛ فإنّ التحقيق : أنّ الشكّ في نسخ الحكم المدلول عليه بدليل ظاهر ـ في

__________________

(١) لم ترد «من» في المصدر.

(٢) في المصدر : «استقراءها».

(٣) القوانين ٢ : ٧٣.

نفسه أو بمعونة دليل خارجيّ ـ في الاستمرار ، ليس موردا للاستصحاب ؛ لوجود الدليل الاجتهاديّ في مورد الشكّ ، وهو ظنّ الاستمرار. نعم ، هو من قبيل استصحاب حكم العامّ إلى أن يرد المخصّص ، وهو ليس استصحابا في حكم شرعيّ ، كما لا يخفى.

ما أورده المحقّق القمّي على نفسه وأجاب عنه

ثمّ إنّه قدس‌سره أورد على ما ذكره ـ من قضاء التتبّع (١) بغلبة الاستمرار في ما ظاهره الإطلاق ـ : بأنّ النبوّة أيضا من تلك الأحكام.

ثمّ أجاب : بأنّ غالب النبوّات محدودة ، والذي ثبت علينا استمراره نبوّة نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٢).

ولا يخفى ما في هذا الجواب :

المناقشة في جوابه قدس‌سره

أمّا أوّلا : فلأنّ نسخ أكثر النبوّات لا يستلزم تحديدها ، فللخصم أن يدّعي ظهور أدلّتها ـ في أنفسها أو بمعونة الاستقراء ـ في الاستمرار ، فانكشف نسخ ما نسخ وبقي ما لم يثبت نسخه.

وأمّا ثانيا : فلأنّ غلبة التحديد في النبوّات غير مجدية ؛ للقطع بكون إحداها (٣) مستمرّة ، فليس ما وقع الكلام في استمراره أمرا ثالثا يتردّد بين إلحاقه بالغالب وإلحاقه بالنادر ، بل يشكّ في أنّه الفرد النادر أو النادر غيره ، فيكون هذا ملحقا بالغالب.

والحاصل : أنّ هنا أفرادا غالبة وفردا نادرا ، وليس هنا مشكوك قابل اللحوق بأحدهما ، بل الأمر يدور بين كون هذا الفرد هو الأخير

__________________

(١) في (ظ) ونسخة بدل (ص) بدل «قضاء التتبّع» : «اكتفاء الشارع».

(٢) القوانين ٢ : ٧٣.

(٣) في (ظ) و (ه): «إحداهما».