درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۱۱۴: شرایط استصحاب ۱

 

ما يرد على هذا التوجيه

نعم ، يرد على ما ذكرنا من التوجيه : أنّ الشهيد قدس‌سره في مقام دفع ما يتوهّم من التناقض المتوهّم (١) في قولهم : «اليقين لا يرفعه الشّكّ» ، ولا ريب أنّ الشكّ الذي حكم بأنّه لا يرفع اليقين ، ليس المراد منه الاحتمال الموهوم ؛ لأنّه إنّما يصير موهوما بعد ملاحظة أصالة بقاء ما كان ، نظير المشكوك الذي يراد إلحاقه بالغالب ، فإنّه يصير مظنونا (٢) بعد ملاحظة الغلبة. وعلى تقدير إرادة الاحتمال الموهوم ـ كما ذكره المدقّق الخوانساري (٣) ـ فلا يندفع به توهّم اجتماع الوهم واليقين المستفاد من عدم رفع الأوّل للثاني. وإرادة اليقين السابق والشكّ اللاحق يغني عن إرادة خصوص الوهم من الشكّ.

وكيف كان ، فما ذكره المورد ـ من اشتراك الظنّ واليقين في عدم الاجتماع مع الشكّ مطلقا ـ في محلّه.

المراد من قولهم : «اليقين لا يرفعه الشكّ»

فالأولى أن يقال : إنّ قولهم : «اليقين لا يرفعه الشكّ» لا دلالة فيه على اجتماعهما في زمان واحد ، إلاّ من حيث الحكم في تلك القضيّة بعدم الرفع. ولا ريب أنّ هذا ليس إخبارا عن الواقع ؛ لأنّه كذب ، وليس حكما شرعيّا بإبقاء نفس اليقين أيضا ؛ لأنّه غير معقول ، وإنّما هو حكم شرعيّ بعدم (٤) رفع آثار اليقين السابق بالشكّ اللاحق ، سواء كان احتمالا مساويا أو مرجوحا.

__________________

(١) كذا في النسخ ، والظاهر زيادة لفظة «المتوهّم».

(٢) في (ظ) بدل «مظنونا» : «موهوما».

(٣) مشارق الشموس : ١٤٢.

(٤) كذا في (ف) ، (خ) و (ن) ، وفي غيرها : «لعدم».

خاتمة

شرائط العمل بالاستصحاب :

ذكر بعضهم (١) للعمل بالاستصحاب شروطا ، كبقاء الموضوع ، وعدم المعارض ، ووجوب الفحص.

والتحقيق : رجوع الكلّ إلى شروط جريان الاستصحاب.

وتوضيح ذلك : أنّك قد عرفت أنّ الاستصحاب عبارة عن إبقاء ما شكّ في بقائه ، وهذا لا يتحقّق إلاّ مع الشكّ في بقاء القضيّة المحقّقة (٢) في السابق بعينها في الزمان اللاحق.

والشكّ على هذا الوجه لا يتحقّق إلاّ بامور :

الأوّل

١ ـ اشتراط بقاء الموضوع

بقاء الموضوع في الزمان اللاحق ، والمراد به معروض المستصحب.

__________________

(١) انظر الوافية : ٢٠٨ و ٢٠٩ ، والفصول : ٣٧٧ و ٣٨١ ، ومناهج الأحكام : ٢٣٢ و ٢٣٣ ، وضوابط الاصول : ٣٨٠ و ٣٨٨.

(٢) في (ظ) و (ه): «المتحقّقة».

فإذا اريد استصحاب قيام زيد ، أو وجوده ، فلا بدّ من تحقّق زيد في الزمان اللاحق على النحو الذي كان معروضا في السابق ، سواء كان تحقّقه في السابق بتقرّره ذهنا أو بوجوده خارجا ، فزيد معروض للقيام في السابق بوصف وجوده الخارجيّ ، وللوجود بوصف تقرّره ذهنا ، لا وجوده الخارجيّ.

وبهذا اندفع ما استشكله بعض (١) في كلّيّة اعتبار بقاء الموضوع في الاستصحاب ، بانتقاضها باستصحاب وجود الموجودات عند الشكّ في بقائها ؛ زعما منه أنّ المراد ببقائه وجوده الخارجيّ الثانويّ ، وغفلة عن أنّ المراد وجوده الثانويّ على نحو وجوده الأوّليّ الصالح لأن يحكم عليه بالمستصحب وبنقيضه ، وإلاّ لم يجز أن يحمل عليه المستصحب في الزمان السابق. فالموضوع في استصحاب حياة زيد هو زيد القابل لأن يحكم عليه بالحياة تارة وبالموت اخرى ، وهذا المعنى لا شكّ في تحقّقه عند الشكّ في بقاء حياته.

الدليل على هذا الشرط

ثمّ الدليل على اعتبار هذا الشرط في جريان الاستصحاب واضح ؛ لأنّه لو لم يعلم تحقّقه لاحقا ، فإذا اريد إبقاء المستصحب العارض له المتقوّم به :

فإمّا أن يبقى في غير محلّ وموضوع ، وهو محال.

وإمّا أن يبقى في موضوع غير الموضوع السابق ، ومن المعلوم أنّ هذا ليس إبقاء لنفس ذلك العارض ، وإنّما هو حكم بحدوث عارض مثله في موضوع جديد ، فيخرج عن الاستصحاب ، بل حدوثه للموضوع

__________________

(١) هو شريف العلماء قدس‌سره ، انظر ضوابط الاصول : ٣٨٠.