درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۱۱۹: شرایط استصحاب ۶

 

فالاستصحاب في الحكم الشرعيّ لا يجري إلاّ في الشكّ من جهة الرافع ذاتا أو وصفا ، وفيما (١) كان من جهة مدخليّة الزمان. نعم ، يجري في الموضوعات الخارجيّة بأسرها.

ثمّ لو لم يعلم مدخليّة القيود في الموضوع كفى في عدم جريان الاستصحاب الشكّ في بقاء الموضوع ، على ما عرفت مفصّلا (٢).

لسان الدليل

الثاني : أن يرجع في معرفة الموضوع للأحكام إلى الأدلّة ، ويفرّق بين قوله : «الماء المتغيّر نجس» ، وبين قوله : «الماء ينجس إذا تغيّر» ، فيجعل الموضوع في الأوّل الماء المتلبّس بالتغيّر ، فيزول الحكم بزواله ، وفي الثاني نفس الماء فيستصحب النجاسة لو شكّ في مدخليّة التغيّر في بقائها ، وهكذا. وعلى هذا فلا يجري الاستصحاب فيما كان الشكّ من غير جهة الرافع إذا كان (٣) الدليل غير لفظيّ لا يتميّز فيه الموضوع ؛ لاحتمال مدخليّة القيد الزائل فيه.

٢ ـ العرف

الثالث : أن يرجع في ذلك إلى العرف ، فكلّ مورد يصدق عرفا أنّ هذا كان كذا سابقا جرى فيه الاستصحاب وإن كان المشار إليه لا يعلم بالتدقيق أو بملاحظة الأدلّة كونه موضوعا ، بل علم عدمه.

مثلا : قد ثبت بالأدلّة أنّ الإنسان طاهر والكلب نجس ، فإذا ماتا واطّلع أهل العرف على حكم الشارع عليهما بعد الموت ، فيحكمون (٤)

__________________

(١) في (ص) زيادة : «إذا».

(٢) راجع الصفحة ٢٩٣.

(٣) لم ترد «الشكّ من غير جهة الرافع إذا كان» في (ظ).

(٤) كذا في (ص) ، وفي غيره بدل «واطّلع ـ إلى ـ فيحكمون» : «حكم العرف».

بارتفاع طهارة الأوّل وبقاء نجاسة الثاني ، مع عدم صدق الارتفاع والبقاء فيهما بحسب التدقيق (١) ؛ لأنّ الطهارة والنجاسة كانتا محمولتين على الحيوانين المذكورين (٢) ، وقد ارتفعت الحيوانية بعد صيرورته جمادا.

ونحوه حكم العرف باستصحاب بقاء الزوجيّة بعد موت أحد الزوجين ، وقد تقدّم (٣) حكم العرف ببقاء كرّيّة ما كان كرّا سابقا ، ووجوب الأجزاء الواجبة سابقا قبل تعذّر بعضها ، واستصحاب السواد فيما علم زوال مرتبة معيّنة منه ويشكّ في تبدّله بالبياض أو بسواد خفيف ، إلى غير ذلك.

كلام الفاضلين تأييدا لكون الميزان نظر العرف

وبهذا الوجه يصحّ للفاضلين قدس‌سرهما ـ في المعتبر والمنتهى ـ الاستدلال على بقاء نجاسة الأعيان النجسة بعد الاستحالة : بأنّ النجاسة قائمة بالأعيان (٤) النجسة ، لا بأوصاف الأجزاء ، فلا تزول بتغيّر أوصاف محلّها ، وتلك الأجزاء باقية ، فتكون النجاسة باقية ؛ لانتفاء ما يقتضي ارتفاعها (٥) ، انتهى كلام المعتبر.

واحتجّ فخر الدين للنجاسة : بأصالة بقائها ، وبأنّ الاسم أمارة ومعرّف ، فلا يزول الحكم بزواله (٦) ، انتهى.

__________________

(١) لم ترد «بحسب التدقيق» في (ظ).

(٢) في (ظ) ونسخة بدل (ت) ، (ص) و (ه) زيادة : «فلا معنى لصدق ارتفاع الأوّل وبقاء الثاني» ، وفي (ر) وردت هذه الزيادة بعد كلمة «الحيوانية».

(٣) راجع الصفحة ١٩٦ و ٢٨٠.

(٤) في غير (ه) بدل «بالأعيان» : «بالأشياء» ، وفي المعتبر : «بالأجزاء».

(٥) المعتبر ١ : ٤٥١ ، وانظر المنتهى ٣ : ٢٨٧.

(٦) إيضاح الفوائد ١ : ٣١.

وهذه الكلمات وإن كانت محلّ الإيراد ؛ لعدم ثبوت قيام حكم الشارع بالنجاسة بجسم الكلب المشترك بين الحيوان والجماد ، بل ظهور عدمه ؛ لأنّ ظاهر الأدلّة تبعيّة الأحكام للأسماء ، كما اعترف به في المنتهى في استحالة الأعيان النجسة (١) ، إلاّ أنّها شاهدة على إمكان اعتبار (٢) موضوعيّة الذات المشتركة بين واجد الوصف العنوانيّ وفاقده ، كما ذكرنا في نجاسة الكلب بالموت ، حيث إنّ أهل العرف لا يفهمون نجاسة اخرى حاصلة بالموت ، ويفهمون ارتفاع طهارة الإنسان ، إلى غير ذلك ممّا يفهمون الموضوع فيه مشتركا بين الواجد للوصف العنوانيّ والفاقد.

الفرق بين نجس العين والمتنجّس عند الاستحالة

ثمّ إنّ بعض المتأخّرين (٣) فرّق بين استحالة نجس العين والمتنجّس ، فحكم بطهارة الأوّل لزوال الموضوع ، دون الثاني ؛ لأنّ موضوع النجاسة فيه ليس عنوان المستحيل ـ أعني الخشب مثلا ـ وإنّما هو الجسم ولم يزل بالاستحالة.

الإشكال في هذا الفرق

وهو حسن في بادئ النظر ، إلاّ أنّ دقيق النظر يقتضي خلافه ؛ إذ لم يعلم أنّ النجاسة في المتنجّسات محمولة على الصورة الجنسيّة وهي الجسم ، وإن اشتهر في الفتاوى ومعاقد الإجماعات : أنّ كلّ جسم لاقى نجسا مع رطوبة أحدهما فهو نجس ، إلاّ أنّه لا يخفى على المتأمّل أنّ التعبير بالجسم لبيان (٤) عموم الحكم لجميع الأجسام الملاقية من حيث

__________________

(١) المنتهى ٣ : ٢٨٨.

(٢) لم ترد «اعتبار» في (ر).

(٣) هو الفاضل الهندي ، وتبعه جماعة ، كما سيأتي في الصفحة ٢٩٩.

(٤) في (ر) ، (ص) و (ظ) بدل «لبيان» : «لأداء».