درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۱۲۲: شرایط استصحاب ۹

 

حتّى يطهر (١) بالاستحالة ، بل لأنّه جسم لاقى نجسا ، وهذا المعنى لم يزل (٢).

مراتب التغيّر والأحكام مختلفة

فالتحقيق : أنّ مراتب تغيّر الصورة في الأجسام مختلفة ، بل الأحكام أيضا مختلفة ، ففي بعض مراتب التغيّر يحكم العرف بجريان دليل العنوان من غير حاجة إلى الاستصحاب ، وفي بعض آخر لا يحكمون بذلك ويثبتون الحكم بالاستصحاب ، وفي ثالث لا يجرون الاستصحاب أيضا ، من غير فرق ـ في حكم النجاسة ـ بين النجس والمتنجّس.

فمن الأوّل : ما لو حكم على الرطب أو العنب بالحلّيّة أو الطهارة أو النجاسة ، فإنّ الظاهر جريان عموم أدلّة هذه الأحكام للتمر والزبيب ، فكأنّهم يفهمون من الرطب والعنب الأعمّ ممّا جفّ منهما فصار تمرا أو زبيبا ، مع أنّ الظاهر تغاير الاسمين ؛ ولهذا لو حلف على ترك أحدهما لم يحنث بأكل الآخر. والظاهر أنّهم لا يحتاجون في إجراء الأحكام المذكورة إلى الاستصحاب.

ومن الثاني : إجراء حكم بول غير المأكول إذا صار بولا لمأكول وبالعكس ، وكذا صيرورة الخمر خلاّ ، وصيرورة الكلب أو الإنسان جمادا بالموت ، إلاّ أنّ الشارع حكم في بعض هذه الموارد بارتفاع الحكم السابق ، إمّا للنصّ ، كما في الخمر المستحيل خلاّ (٣) ، وإمّا لعموم ما دلّ على حكم المنتقل إليه ، فإنّ الظاهر أنّ استفادة طهارة المستحال إليه إذا

__________________

(١) المناسب : «حتّى تطهر» ؛ لرجوع الضمير إلى «المتنجّسات».

(٢) لم ترد «بل ـ إلى ـ لم يزل» في (ظ) و (ر).

(٣) انظر الوسائل ٢ : ١٠٩٨ ، الباب ٧٧ من أبواب النجاسات.

كان بولا لمأكول (١) ليس من أصالة الطهارة بعد عدم جريان الاستصحاب ، بل هو من الدليل ، نظير استفادة نجاسة بول المأكول إذا صار بولا لغير مأكول.

ومن الثالث : استحالة العذرة (٢) أو الدّهن المتنجّس دخانا ، والمنيّ حيوانا. ولو نوقش في بعض الأمثلة المذكورة ، فالمثال غير عزيز على المتتبّع المتأمّل.

معنى قولهم : «الأحكام تدور مدار الأسماء»

وممّا ذكرنا يظهر أنّ معنى قولهم «الأحكام تدور مدار الأسماء» ، أنّها تدور مدار أسماء موضوعاتها التي هي المعيار في وجودها وعدمها ، فإذا قال الشارع : العنب حلال ، فإن ثبت كون الموضوع هو مسمّى هذا الاسم ، دار الحكم مداره ، فينتفي عند صيرورته زبيبا ، أمّا إذا علم من العرف أو غيره أنّ الموضوع هو الكلّيّ الموجود في العنب المشترك بينه وبين الزبيب ، أو بينهما وبين العصير ، دار الحكم مداره أيضا.

نعم ، يبقى دعوى : أنّ ظاهر اللفظ في مثل القضيّة المذكورة كون الموضوع هو العنوان ، وتقوّم الحكم به ، المستلزم لانتفائه بانتفائه.

لكنّك عرفت : أنّ العناوين مختلفة ، والأحكام أيضا مختلفة (٣) ، وقد تقدّم حكاية بقاء نجاسة الخنزير المستحيل ملحا عن أكثر أهل العلم ، واختيار الفاضلين له (٤).

__________________

(١) في (ظ): «بول المأكول».

(٢) في (ص) ونسخة بدل (ت) زيادة : «دودا».

(٣) راجع أوّل الصفحة السابقة.

(٤) لم تتقدم حكاية ذلك عن أهل العلم. نعم ، نسبه إلى أكثر أهل العلم في المنتهى ٣ : ٢٨٧.

ودعوى : احتياج استفادة غير ما ذكر من ظاهر اللفظ إلى القرينة الخارجيّة ، وإلاّ فظاهر اللفظ كون القضيّة ما دام الوصف العنوانيّ ، لا تضرّنا فيما نحن بصدده ؛ لأنّ المقصود مراعاة العرف في تشخيص الموضوع وعدم الاقتصار في ذلك على ما يقتضيه العقل على وجه الدقّة ، ولا على ما يقتضيه الدليل اللفظيّ إذا كان العرف بالنسبة إلى القضيّة الخاصّة على خلافه.

وحينئذ ، فيستقيم أن يراد من قولهم : «إنّ الأحكام تدور مدار الأسماء» أنّ مقتضى ظاهر دليل الحكم تبعيّة ذلك الحكم لاسم الموضوع الذي علّق عليه الحكم في ظاهر الدليل ، فيراد من هذه القضيّة تأسيس أصل ، قد يعدل عنه بقرينة فهم العرف أو غيره ، فافهم.

[الأمر الثاني](١)

٢ ـ اشتراط الشكّ في البقاء

الأمر الثاني ممّا يعتبر في تحقّق الاستصحاب : أن يكون في حال الشكّ متيقّنا بوجود المستصحب في السابق ، حتّى يكون شكّه في البقاء.

فلو كان الشكّ في تحقّق نفس ما تيقّنه سابقا ـ كأن تيقّن عدالة زيد في زمان ، كيوم الجمعة مثلا ، ثمّ شكّ في نفس هذا المتيقّن ، وهو عدالته يوم الجمعة ، بأن زال مدرك اعتقاده السابق ، فشكّ في مطابقته للواقع ، أو كونه جهلا مركّبا ـ لم يكن هذا من مورد الاستصحاب لغة ، ولا اصطلاحا.

__________________

(١) العنوان منّا.