درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۱۲۹: شرایط استصحاب ۱۶

 

الواقعيّ في البقاء والارتفاع لا يزول معه ، ولا ريب في العمل به دون الحالة السابقة.

حكومة الأدلّة الاجتهاديّة على أدلّة الاستصحاب

لكنّ الشأن في أنّ العمل به من باب تخصيص أدلّة الاستصحاب ، أو من باب التخصّص؟ الظاهر أنّه من باب حكومة أدلّة تلك الامور على أدلّة الاستصحاب ، وليس تخصيصا بمعنى رفع اليد عن عموم أدلّة الاستصحاب في بعض موارده (١) ، كما ترفع اليد عنها في مسألة الشكّ بين الثلاث والأربع ونحوها ، بما دلّ على وجوب البناء على الأكثر (٢) ، ولا تخصّصا بمعنى خروج المورد بمجرّد وجود الدليل عن مورد الاستصحاب ؛ لأنّ هذا مختصّ بالدليل العلميّ المزيل وجوده للشكّ المأخوذ في مجرى الاستصحاب.

معنى الحكومة :

ومعنى الحكومة ـ على ما سيجيء في باب التعادل والتراجيح (٣) ـ : أن يحكم الشارع في ضمن دليل بوجوب رفع اليد عمّا يقتضيه الدليل الآخر لو لا هذا الدليل الحاكم ، أو بوجوب العمل في مورد بحكم لا يقتضيه دليله لو لا الدليل الحاكم (٤) ، وسيجيء توضيحه إن شاء الله تعالى.

__________________

(١) في (ر) و (ظ): «الموارد».

(٢) لم ترد «كما ترفع ـ إلى ـ الأكثر» في (ظ).

(٣) انظر مبحث التعادل والتراجيح ٤ : ١٣.

(٤) في (ظ) زيادة ما يلي : «وحاصله : تنزيل شيء خارج عن موضوع دليل منزلة ذلك الموضوع في ترتيب أحكامه عليه ، أو داخل في موضوعه منزلة الخارج منه في عدم ترتيب أحكامه عليه» ، وكتب عليها في (ص): «نسخة» ، وورد في (ظ) أيضا بعد ذلك زيادة وهي : «وقد اجتمع كلا الاعتبارين في حكومة الأدلّة الغير العمليّة على الاستصحاب ، مثلا : إذا قال الشارع ...».

ففي ما نحن فيه (١) ، إذا قال الشارع : «اعمل بالبيّنة في نجاسة ثوبك» ـ والمفروض أنّ الشكّ موجود مع قيام البيّنة على نجاسة الثوب ـ فإنّ الشارع حكم في دليل وجوب العمل بالبيّنة ، برفع اليد عن آثار الاحتمال المخالف للبيّنة ، التي منها استصحاب الطهارة (٢).

احتمال أن يكون العمل بالأدلّة في مقابل الاستصحاب من باب التخصّص

وربما يجعل العمل بالأدلّة في مقابل الاستصحاب من باب التخصّص (٣) ؛ بناء على أنّ المراد من «الشكّ» عدم الدليل والطريق ، والتحيّر في العمل ، ومع قيام الدليل الاجتهاديّ لا حيرة. وإن شئت قلت (٤) : إنّ المفروض دليلا قطعيّ الاعتبار ؛ فنقض الحالة السابقة به نقض باليقين.

ضعف هذا الاحتمال

وفيه : أنّه لا يرتفع التحيّر ولا يصير الدليل الاجتهاديّ قطعيّ الاعتبار في خصوص مورد الاستصحاب إلاّ بعد إثبات كون مؤدّاه حاكما على مؤدّى الاستصحاب ، وإلاّ أمكن أن يقال : إنّ مؤدّى الاستصحاب وجوب العمل على الحالة السابقة مع عدم اليقين بارتفاعها ،

__________________

(١) لم ترد «وسيجيء ـ إلى ـ ما نحن فيه» في (ظ).

(٢) وردت في (ظ) بدل عبارة «حكم في ـ إلى ـ الطهارة» ما يلي : «جعل الاحتمال المطابق للبيّنة بمنزلة اليقين الذي ينتقض به اليقين السابق ، وجعل أيضا الاحتمال المخالف للبيّنة كالمعدوم ، فكأنّه لا شكّ حتّى يرجع فيه إلى الاستصحاب ، فكأنّه قال : لا يحكم على هذا الشكّ بحكمه المقرّر في قاعدة الاستصحاب ، وافرضه كالعدم».

(٣) كذا في (ت) و (ه) ، وفي غيره : «التخصيص».

(٤) في (ت) و (ه) زيادة : «المراد به عدم اليقين الظاهري فإنّ ...» ، لكن في (ت) بدل «الظاهري» : «الظاهر».

سواء كان هناك الأمارة الفلانيّة أم لا ، ومؤدّى دليل تلك الأمارة وجوب العمل بمؤدّاه (١) ، خالف الحالة السابقة أم لا.

ولا يندفع مغالطة هذا الكلام ، إلاّ بما ذكرنا من طريق الحكومة ، كما لا يخفى.

المسامحة فيما جعله الفاضل التوني من شرائط الاستصحاب

وكيف كان ، فجعل بعضهم (٢) عدم الدليل الاجتهادي على خلاف الحالة السابقة من شرائط العمل بالاستصحاب ، لا يخلو عن مسامحة ؛ لأنّ مرجع ذلك بظاهره إلى عدم المعارض لعموم «لا تنقض» ، كما في مسألة البناء على الأكثر ، لكنّه ليس مراد هذا المشترط قطعا ، بل مراده عدم الدليل على ارتفاع الحالة السابقة.

ما أورده المحقّق القمّي على الفاضل التوني والمناقشة فيه

ولعلّ (٣) ما أورده عليه المحقّق القمي قدس‌سره ـ من أنّ الاستصحاب أيضا أحد الأدلّة ، فقد يرجّح عليه الدليل ، وقد يرجّح على الدليل ، وقد لا يرجّح أحدهما على الآخر ، قال قدس‌سره : ولذا ذكر بعضهم (٤) في مال المفقود : أنّه في حكم ماله حتّى يحصل العلم العادي بموته ؛ استصحابا لحياته (٥) ، مع وجود الروايات المعتبرة (٦) المعمول بها عند بعضهم ، بل

__________________

(١) كذا في النسخ ، والمناسب : «بمؤدّاها» ، لرجوع الضمير إلى «الأمارة».

(٢) هو الفاضل التوني في الوافية : ٢٠٨.

(٣) لم ترد «لأنّ مرجع ـ إلى ـ ولعلّ» في (ظ) ، وورد بدلها : «وإن أمكن توجيهه بما يرجع إلى ما ذكرنا ، وأمّا ما أورده ...».

(٤) في المصدر : «جمهور المتأخّرين».

(٥) انظر مفتاح الكرامة ٨ : ٩٢.

(٦) الوسائل ١٧ : ٥٨٣ و ٥٨٥ ، الباب ٦ من أبواب ميراث الخنثى ، الحديث ٥ و ٩.