درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۱۳۶: تعارض استصحاب با سایر امارات ۵

 

الموضع الثاني

ما هو المراد من «محلّ الشيء المشكوك فيه»؟

أنّ المراد بمحلّ الفعل المشكوك في وجوده هو الموضع الذي لو اتي به فيه لم يلزم منه اختلال في الترتيب المقرّر.

وبعبارة اخرى : محلّ الشيء هي مرتبته المقرّرة له بحكم العقل ، أو بوضع الشارع ، أو غيره ولو كان نفس المكلّف ؛ من جهة اعتياده بإتيان ذلك المشكوك في ذلك المحلّ.

فمحلّ تكبيرة الإحرام قبل الشروع في الاستعاذة لأجل القراءة بحكم الشارع ، ومحلّ كلمة «أكبر» قبل تخلّل الفصل الطويل بينه وبين لفظ الجلالة بحكم الطريقة المألوفة في نظم الكلام ، ومحلّ الراء من «أكبر» قبل أدنى فصل يوجب الابتداء بالساكن بحكم العقل ، ومحلّ غسل الجانب الأيسر أو بعضه في غسل الجنابة لمن اعتاد الموالاة فيه (١) قبل تخلّل فصل يخلّ بما اعتاده من الموالاة.

هذا كلّه ممّا لا إشكال فيه ، إلاّ الأخير ؛ فإنّه ربما يتخيّل (٢) انصراف إطلاق الأخبار إلى غيره.

مع أنّ فتح هذا الباب بالنسبة إلى العادة يوجب مخالفة إطلاقات كثيرة. فمن اعتاد الصلاة في أوّل وقتها أو مع الجماعة ، فشكّ في فعلها بعد ذلك ، فلا يجب عليه الفعل. وكذا من اعتاد فعل شيء بعد الفراغ من الصلاة فرأى نفسه فيه وشكّ في فعل الصلاة. وكذا من اعتاد

__________________

(١) لم ترد «فيه» في (ر).

(٢) في (ه) ونسخة بدل (ت) بدل «يتخيّل» : «يحتمل».

الوضوء بعد الحدث بلا فصل يعتدّ به ، أو قبل دخول الوقت للتهيّؤ ، فشكّ بعد ذلك في الوضوء. إلى غير ذلك من الفروع التي يبعد التزام الفقيه بها.

نعم ذكر جماعة من الأصحاب مسألة معتاد الموالاة في غسل الجنابة إذا شكّ في الجزء الأخير ، كالعلاّمة (١) وولده (٢) والشهيدين (٣) والمحقّق الثاني (٤) وغيرهم (٥) قدّس الله أسرارهم.

واستدلّ فخر الدين على مختاره في المسألة ـ بعد صحيحة زرارة المتقدّمة ـ : بأنّ خرق العادة على خلاف الأصل (٦). ولكن لا يحضرني كلام منهم في غير هذا المقام ، فلا بدّ من التتبّع والتأمّل.

والذي يقرب في نفسي عاجلا هو الالتفات إلى الشكّ ، وإن كان الظاهر من قوله عليه‌السلام فيما تقدّم : «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ» (٧) ، أنّ هذه القاعدة من باب تقديم الظاهر على الأصل ، فهو دائر مدار الظهور النوعيّ ولو كان من العادة. لكنّ العمل بعموم ما يستفاد من الرواية أيضا مشكل ، فتأمّل. والأحوط ما ذكرنا.

__________________

(١) قواعد الأحكام ١ : ٢٠٦ ، والتذكرة ١ : ٢١٢.

(٢) إيضاح الفوائد ١ : ٤٢.

(٣) لم نعثر عليه فيما بأيدينا من كتبهما قدس‌سره. نعم ، حكاه المحقّق الثاني في جامع المقاصد ١ : ٢٣٨ عن بعض فوائد الشهيد الأوّل ، ولعلّ المراد به حواشيه على القواعد.

(٤) جامع المقاصد ١ : ٢٣٧.

(٥) انظر كشف اللثام ١ : ٥٨٨ ، والجواهر ٢ : ٣٦٣.

(٦) ايضاح الفوائد ١ : ٤٣.

(٧) تقدّم الحديث في الصفحة ٣٢٥.

الموضع الثالث

هل يعتبر في التجاوز والفراغ الدخول في الغير ، أم لا؟

الدخول في غير المشكوك إن كان محقّقا للتجاوز عن المحلّ ، فلا إشكال في اعتباره ، وإلاّ فظاهر الصحيحتين الاوليتين اعتباره ، وظاهر إطلاق موثّقة ابن مسلم عدم اعتباره.

ويمكن حمل التقييد في الصحيحين على الغالب خصوصا في أفعال الصلاة ؛ فإنّ الخروج من أفعالها يتحقّق غالبا بالدخول في الغير ، وحينئذ فيلغو القيد.

ويحتمل ورود المطلق على الغالب ، فلا يحكم بالإطلاق.

ويؤيّد الأوّل ظاهر التعليل المستفاد من قوله عليه‌السلام : «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ» (١) ، وقوله عليه‌السلام : «إنّما الشكّ إذا كنت في شيء لم تجزه» (٢) بناء على ما سيجيء من التقريب (٣) ، وقوله عليه‌السلام : «كلّ ما مضى من صلاتك وطهورك ... الخبر» (٤).

لكنّ الذي يبعّده أنّ الظاهر من ال «غير» في صحيحة إسماعيل ابن جابر : «إن شكّ في الركوع بعد ما سجد وإن شكّ في السجود بعد ما قام فليمض» (٥) بملاحظة مقام التحديد ومقام التوطئة للقاعدة المقرّرة

__________________

(١) تقدّم الحديث في الصفحة ٣٢٥.

(٢) تقدّم الحديث في الصفحة ٣٢٧.

(٣) انظر الصفحة ٣٣٧.

(٤) تقدّم الحديث في الصفحة ٣٢٧.

(٥) تقدّم الحديث في الصفحة ٣٢٦.